تمسك المواطنة الغزية سناء أبو جمعة (60 عامًا) هاتفها المحمول بكلتا يديها المجعّدتين، وقد ارتسم على ملامحها مزيج من الحذر والتركيز. تضع نظارة طبية مقعّرة على عينيها، وترفع حاجبيها قليلًا وهي تقترب أكثر من الشاشة. قبل لحظات وصلت حوالة مالية من ابنها المقيم في تركيا، وهي الآن تحدق في شاشة الهاتف بعناية، تتفحص حسابها البنكي ببطء، بينما يأتيها صوته عبر الهاتف يرافقها خطوة بخطوة ويشرح لها كيف تتحقق من وصول الحوالة.
إلى جوارها، تجلس ابنتها تراقب المشهد بابتسامة هادئة. تتابع أمها وهي تحاول فتح التطبيق البنكي بنفسها هذه المرة. وبعد محاولات متكررة من التعليم والتذكير، أصبحت أبو جمعة تحفظ كلمة المرور وتدخلها ببطء شديد، كما لو أنها تخطو في أرض جديدة لم تعتدها من قبل.
بعد دقائق قليلة، يظهر إشعار وصول الحوالة في التطبيق البنكي. تبتسم السيدة، وتقول بصوت يغلبه الفرح: "بما أنني تعلمت التحويل البنكي.. سأذهب إلى السوبرماركت وحدي لشراء بعض مستلزمات البيت". تلك اللحظة الصغيرة بدت بالنسبة لها أكبر من مجرد عملية مالية؛ كانت بداية شعور بالاستقلالية والاعتماد على النفس، بعدما كانت كل رحلة تسوق تتطلب مرافقة ابنتها.
تقول وهي تنتقل بين التطبيق البنكي ومحفظة "Pal Pay": "لم أتعلم على التحويل باستخدام المحفظة بعد، لكن الأمر سهل حسب قول ابنتي. أنا سريعة التعلم، وأؤمن أن كل شيء قابل للتعلم، رغم أنني لا أحب التطبيقات البنكية والتحويل المالي، فعندما يكون المال في يدي أسيطر عليها أكثر".
لم يكن دخول عالم التطبيقات البنكية خيارًا ترفيهيًا بالنسبة لأبو جمعة، بل ضرورة فرضتها ظروف الحياة المتغيرة وغلاء المعيشة المتزايد. فبعد أن فقدَ زوجها عمله كعامل في الأراضي المحتلة، باتت تعتمد بشكل أساسي على ما يرسله ابنها المقيم في الخارج، وبعض أفراد عائلتها المغتربين؛ ما يساعدها على تدبير مصروفاتها ودفع إيجار البيت الذي تقطنه، بعدما دُمّر منزلها الواقع شرق حي التفاح في مدينة غزة.

خلال الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة (2023-2025) وما تلاها، تحوّلت التحويلات المالية عبر التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية إلى ضرورة حياتية في ظلّ النقص الحاد في السيولة النقدية داخل قطاع غزة. فالدفع الإلكتروني لم يكن يومًا أسلوبًا شائعًا بين عموم الناس، خصوصًا كبار السن الذين اعتاد كثير منهم رفضه تحت شعار: "المال في اليد أكثر بركة".
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يقدَّر عدد كبار السن (60 عامًا فأكثر) في قطاع غزة بأكثر من 108 آلاف شخص، أي نحو 5% من إجمالي السكان، وهي الفئة التي تُعد الأقل استخدامًا للخدمات الرقمية والتطبيقات المصرفية مقارنة بالأجيال الأصغر سنًا.
غير أنّ اندلاع الحرب غيّر هذا الواقع؛ إذ لم تدخل أي سيولة نقدية إلى القطاع نتيجة القيود على إدخال الأموال، ما تسبب في أزمة خانقة في عمليات البيع والشراء. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن نحو 90% من فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي في غزة تعطّلت أو دُمّرت خلال الحرب، ما جعل الوصول إلى النقد شبه مستحيل بالنسبة للسكان.
ومع تعطل النظام المصرفي وشحّ السيولة، أصبح الدفع الإلكتروني الخيار شبه الوحيد لإتمام المعاملات اليومية. غير أنّ الحاجة إلى النقد أبقت على سوق موازية يقودها وسطاء تحويل الرصيد إلى نقد؛ حيث يُحوَّل الرصيد الإلكتروني إلى أموال نقدية مقابل عمولات مرتفعة تراوحت في كثير من الحالات بين 20%، ووصلت أحيانًا إلى نحو 45% من قيمة المبلغ، ما أجبر بعض السكان على التنازل عن جزء كبير من أموالهم للحصول على السيولة اللازمة لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

مرفت محسن (63 عامًا)، تتلقى معاشًا تقاعديًا، ولم تكن تستخدم تطبيقها البنكي التابع لبنك فلسطين، رغم أنها كانت قد حملته على هاتفها قبل الحرب بفترة وجيزة. في ذلك الوقت، لم تر حاجة حقيقية لاستخدامه، إذ اعتادت كل شهر أن تتوجه إلى البنك وتسحب راتبها نقدًا، محتفظة بعادة التعامل بالكاش الرائجة والتي تراها الأفضل والأكثر أمانًا.
في بداية الحرب، لم تستطع محسن سحب راتبها إطلاقًا، وبقيت لأشهر طويلة غير قادرة على تفعيل التطبيق البنكي. وحين اتصلت بالبنك، أخبرها الموظفون أن رقم هاتفها مرتبط بحساب شقيقتها البنكي، لذلك لن تتمكن من تفعيل التطبيق إلا بعد التواصل مع مندوب يتبع لبنك فلسطين لإجراء معاملة تغيير رقم الهاتف.
تقول وهي تفتح التطبيق البنكي على هاتفها: "بعد محاولات عديدة، تم تفعيل التطبيق. في البداية واجهت صعوبة كبيرة في التعامل معه، الخطوات دقيقة وكثيرة لم أحفظها بسهولة، كما أخشى أن أفقد مال نتيجة أي خطأ، لكن ابنتي ساعدتني على التعلم خطوة خطوة، ومع ذلك ما زلت أجد الأمر معقدًا في كل مرة أستخدم فيها التطبيق. عدا عن أن الاتصال بالإنترنت على هاتفي ضعيف ويحتاج إلى شبكة قوية، مما يشكل عائقًا كبيرًا أمامي عند كل محاولة لإجراء تحويل مالي".
وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها محسن في بداية تعلمها استخدام التطبيق البنكي، بدأت لاحقًا بالبحث عن طرق دفع إلكتروني أسهل. عندها قررت تجربة محفظة "Pal Pay"، وبعد تنزيل التطبيق وإتمام الإجراءات اللازمة لتفعيله، وثلاث دروس تعليمية مكثفة مع ابنتها حول كيفية إجراء التحويلات، أصبحت تمتلك خبرة كافية لإجراء التحويل المالي دون مساعدة.
تضيف وهي تجرب التحويل بطريقة الدفع الإلكتروني:"USSD" "كنت في السيارة ورأيت شابًا يدفع للسائق الأجرة عبر التطبيق، فسألته بفضول كيف تمكن من الدفع من دون إنترنت. أخبرني عن خدمة USSD التي يتيحها بنك فلسطين لإجراء التحويلات من دون اتصال بالإنترنت. وعندما عدت إلى المنزل جرّبتها بنفسي ونجحت العملية، لكنني لم أستخدمها خارج المنزل بعد".

في خيمة نزوح بمدينة أصداء في خانيونس جنوبي قطاع غزة، تجلس السيدة سرية أبو عمشة (58 عامًا) في درس جديد لتعلّم الدفع الإلكتروني عبر محفظة .Pal Pay وبينما تنهمك ابنتها في شرح الخطوات، تبدو مترددة في البداية؛ فهي لم تعتد استخدام هذه التطبيقات، لكنها تدرك أنها تحتاج إلى تعلّمها لتتمكن من إتمام عمليات الشراء بنفسها، من دون مرافقة إحدى بناتها في كل مرة.
تقول بينما تشجعها ابنتها على المحاولة: "لا أنكر أن تعلمي إجراء التحويل بنفسي أمر مهم، لكني اعتدت أن تتولى البنات استخدام هاتفي وتحويل الأموال نيابة عني. حتى الآن لم أحوّل وحدي سوى مرتين أو ثلاث، وكانت ابنتي تتابع معي الخطوات. لكنني أخطط في الفترة المقبلة للاعتماد على نفسي أكثر".
مع ذلك، لا تخفي أبو عمشة ضيقها من طرق الدفع الإلكتروني. فهي ترى أن المال في اليد يحمل بركة خاصة، إذ يمنحها قدرة أكبر على تدبير أمورها بما هو متاح. أما المحفظة الإلكترونية، فتنظر إليها بوصفها وسيلة أكثر عشوائية، لا تمنحها الشعور نفسه بالتحكم والتنظيم في إدارة مصروفاتها.
في أحد المتاجر الصغيرة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تقف سيدة مسنّة أمام البائع ممسكة هاتفها ببطء. تتوقف لثوانٍ، تفتح حقيبتها وتخرج نظارتها الطبية قبل أن تعود للتحديق في الشاشة. يرفع صاحب المتجر هاتفه لمسح رمز الدفع السريع، فيما يساعدها أحد العمال الشباب. بعد لحظات يظهر إشعار نجاح العملية، فتلتقط كيس حاجياتها بابتسامة خفيفة، وكأنها أنهت مهمة تقنية معقدة.

في المقابل، ومن خلف نظارته الطبية، يحاول هاني سلامة (56 عامًا) التعامل مع تطبيق بنك القاهرة عمان، الذي وصفه بأنّه معقد جدًا مقارنة بتطبيق بنك فلسطين. وقد استغرقت العائلة وقتًا أطول في تعليمه استخدامه.
يقول وهو يخلع نظارته: "أنا أكثر واحد في غزة ينتظر دخول السيولة النقدية للبنوك بشكل طبيعي وأن تعود حياتنا مثل السابق. تعلمت التحويل نعم، لكنني أشتري ما أريد مرة واحدة حتى لا أكرر عمليات التحويل عبر التطبيق. وغالبًا أختار المحال التي تقبل الدفع ببطاقة فيزا لشراء احتياجاتي".
لكن دخول هذا العالم الرقمي لم يكن سهلاً على كثير من كبار السن. فإلى جانب ضعف الاتصال بالإنترنت والانقطاعات المتكررة للكهرباء، يواجه بعضهم صعوبة في قراءة الشاشات الصغيرة أو تذكّر كلمات المرور والتنقل بين أكثر من تطبيق مصرفي. كما أن الخوف من ارتكاب خطأ قد يؤدي إلى فقدان المال يجعل كثيرين يترددون في إجراء التحويلات بأنفسهم.
ويقول المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر إن التحول نحو الدفع الإلكتروني في غزة لم يكن نتيجة تطور طبيعي في الخدمات المالية، بل جاء مدفوعًا بالأزمة النقدية التي خلّفتها الحرب.
ويضيف: "الاقتصاد في غزة كان يعتمد تاريخيًا على التعامل النقدي المباشر، لكن شح السيولة وتعطل البنوك أجبر الناس على الانتقال سريعًا إلى الدفع الإلكتروني. المشكلة أن هذا التحول حدث في بيئة غير مهيأة رقميًا، خاصة بالنسبة لكبار السن الذين لم يعتادوا استخدام التطبيقات المصرفية".
ويشير أبو قمر إلى أن الفجوة الرقمية بين الأجيال باتت واضحة في هذا المجال، إذ يتولى الأبناء والأحفاد غالبًا مهمة تعليم الآباء والأمهات كيفية استخدام التطبيقات المالية.
ومع الوقت، تحولت الهواتف الذكية في كثير من البيوت إلى مساحة لقاء بين الأجيال؛ إذ يجلس الأبناء والأحفاد إلى جانب أمهاتهم وجداتهم، يشرحون لهم خطوة بعد أخرى كيفية فتح التطبيقات وإرسال الأموال. دروس صغيرة غير رسمية، لكنها تعكس شكلًا جديدًا من أشكال التضامن العائلي في ظل الظروف الصعبة.
وهكذا، يدخل كثير من كبار السن في غزة عالم الدفع الإلكتروني ببطء وحذر، مدفوعين بواقع اقتصادي قاسٍ لم يترك لهم خيارًا آخر. وبين شاشة الهاتف وأصابعهم المرتجفة، تتشكل حكايات صغيرة عن التعلّم المتأخر، وعن أمهات وجدّات يكتشفن عالمًا رقميًا لم يتخيلن يومًا أن يكنّ جزءًا منه. فكل تحويل ناجح، أو عملية شراء عبر الهاتف، لا تعني مجرد دفع ثمن سلعة، بل خطوة جديدة نحو الاستقلالية في زمن تغيّرت فيه أبسط تفاصيل الحياة.