انتظرت أمل عبد الله سنوات لتشتري قطعة ذهبية من مدخراتها، بعدما حالت الحرب دون تحقيق رغبتها حين كان غرام الذهب عيار 21 يُباع بنحو 42 دينارًا. لكنها حين قررت الشراء في الأول من سبتمبر 2026، وجدت الغرام قد تجاوز 124 دينارًا في غزة، فدفعت نحو 1027 دينارًا ثمنًا لقطعة تزن 8.28 غرامًا.
تقول أمل: "اشتريت قطعة عيار 21 بوزن 8.28 غرامًا مقابل نحو 1027 دينارًا، أي ما يعادل 4300 شيكل وفق سعر الصرف الذي احتُسبت به. ولو اشتريت الوزن نفسه قبل الحرب لكان ثمنه نحو 348 دينارًا فقط، فيما كان سعر الغرام عالميًا في ذلك التاريخ يقارب 87.7 دينارًا، أي بفارق يزيد على 36 دينارًا عن السعر في غزة".
وتجربة أمل ليست معزولة؛ فقد وجد عدد من المواطنين الذين ادخروا بالدينار أو الدولار قيمة مدخراتهم تتراجع، في وقت ارتفع فيه سعر غرام الذهب عيار 21 في غزة في أكتوبر 2026 إلى ما بين 125 و130 دينارًا، مع احتمال ارتفاعه أو انخفاضه تبعًا لمتغيرات السوق، مقابل نحو 82 دينارًا في الأسواق الخارجية. والمفارقة ليست في الارتفاع وحده، بل في اتساع الفجوة بين السعرين.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات: لماذا تختلف الأسعار في غزة عن العالمية؟ وما الذي يدفع الغرام إلى هذه المستويات؟ وهل يرتبط الأمر بالسعر العالمي وحده، أم أن ظروف الحرب وصعوبة إدخال الذهب وانعدام التوريد وتراجع المعروض تسهم في رفعها؟
قطع تُباع للطعام وللترميم
اضطرت منة الله حسان إلى بيع مصاغها الذي اشترته من مهرها لتشتري الطحين خلال المجاعة، حين بلغ سعر الكيلو نحو 150 شيكلًا. تقول: "بعت سلسالًا وخاتمًا في تلك الفترة، ولا أذكر بالضبط سعر الغرام، لكنني أعتقد أنه كان بين 50 و55".
وبعد عودتها إلى شمال غزة إثر نزوح دام أكثر من عامين، وجدت شقتها في الطابق الخامس متضررة ودرجها بحاجة إلى ترميم كي يمكن الوصول إليها والعيش فيها. فباعت مباشرة بعد عودتها آخر سلسال لديها، وهو من عيار 21، لأحد أقاربها بسعر 70 دينارًا للغرام، وحصلت على ألف دولار رمّمت بها الدرج بالاشتراك مع جيرانها في الطابق نفسه. ويختلف سعر شراء الصائغ للذهب من المواطنين عن سعر بيعه لهم، وفق ما أوضحه رئيس نقابة العاملين في صناعة وتجارة الذهب والفضة والمجوهرات في غزة ياسر حبوب في تصريح سابق.

أما أحمد عبد الرحمن فكان يخطط لمشروع مع صديقه، وادخر لذلك 5000 دولار حين كان سعر التحويل 350 شيكلًا لكل 100 دولار. وظل المبلغ في حسابه البنكي خلال الحرب، يسحب منه ويعاود التسديد، إلى أن انخفض السعر إلى 300 شيكل لكل 100 دولار، فقرر تفادي مزيد من الخسارة وشراء قطعة ذهبية في 21 يناير 2026.
يقول أحمد: "اشتريت 33.63 غرامًا بـ5000 دولار لتعويض خسارتي من هبوط الدولار، وكان الغرام بـ105 دنانير. تعجلت في الربح فبعت والغرام بـ108، لأربح 100.89 دينارًا وذلك في يناير 2026. ولو انتظرت لبعته الآن بـ125، ولعوّضت خسارة فرق التحويل التي بلغت 2500 شيكل". ويعبّر عن امتعاضه من تفاوت السعر المحلي عن الدولي.
وخلال الحرب مرت عائلة راوية خليل بأزمة مالية خانقة انقطع معها مصدر دخلها الأساسي لأشهر، فباعت أسورة عيار 21 تزن 25 غرامًا، كانت قد اشترتها قبل الحرب بنحو 40 دينارًا للغرام. باعتها في فبراير 2026 بـ90 دينارًا للغرام، أي 9500 شيكل.
تقول راوية: "كنت أتابع أسعار الذهب العالمية فأتفاجأ بسعره في غزة، وأسأل عن الأسباب فلا أحصل على إجابة مقنعة. وقبل البيع توجهت إلى أكثر من صائغ، فوجدت كل واحد منهم يريد الشراء مني على هواه، حتى وجدت هذا السعر الأعلى. وأقول أحيانًا: لو أن القطعة معي اليوم لبعتها بـ130 دينارًا للغرام".
ما الذي يرفع السعر؟
توجهت مراسلة "آخر قصة" إلى رئيس نقابة تجار الذهب والصاغة في غزة، محمد حبوب، الذي أرجع الارتفاع إلى عاملين: إغلاق المعابر ومنع دخول واردات الذهب، وتزايد الطلب عليه، ولا سيما في 2026، مع تراكم أموال المواطنين "المبادرين" في البنوك، ما دفعهم إلى شراء الذهب بدلًا من بقائها مكدّسة فيها، خوفًا من سياسة التجميد التي تتبعها البنوك عبر سؤال "من أين لك هذا؟".
ويوضح حبوب أن الحرب أفقدت بعض المواطنين مصاغهم، واضطر آخرون إلى مغادرة القطاع حاملين ذهبهم، واحتفظ غيرهم بمصاغه داخل غزة. ومع تزايد الإقبال تفاقم نقص المعروض، في وقت لا تتوافر فيه كميات كافية من الذهب الخام اللازم للتصنيع، حتى بلغ الغرام نحو 125 دينارًا. وشدد على أن اختلال التوازن بين العرض والطلب أسهم مباشرة في الارتفاع، إذ تجاوز الطلب الكميات المتاحة في ظل غياب واردات جديدة.
وأكد أن من يشتري بكميات كبيرة حاليًا هم "المبادرون" ومن جمعوا الأموال خلال الحرب، وهم جزء من الأزمة، في مقابل تراجع قدرة المقبلين على الزواج على الشراء، حتى بات أقصى ما تستطيع بعض العرائس الحصول عليه نحو عشرة غرامات.
وعن دور النقابة في ضبط الأسعار، أقر حبوب بصعوبة السيطرة على السوق في غياب السلطة التنفيذية. فالنقابة عقدت عدة اجتماعات للحد من الارتفاعات، لكنها اصطدمت بمحدودية صلاحياتها القانونية وغياب آلية فاعلة تضمن تنفيذ القرارات ومتابعتها في مناطق القطاع كافة. وأضاف أن وزارة الاقتصاد لا تستطيع في الظروف الراهنة فرض رقابة فعالة على جميع التجار، مع ضعف التواصل بين شمال القطاع وجنوبه وصعوبة استمرار الرقابة الميدانية.
وأكد أن التجار أنفسهم تضرروا من اضطراب السوق، وأن المشكلة لا تقتصر على تحديد الأسعار بل ترتبط أساسًا بعدم توافر الكميات اللازمة من الذهب، مشيرًا إلى أن السبيل إلى خفض السعر ليتوافق مع العالمي هو السماح بإدخال كميات منه، وإلا فسيبقى الوضع على ما هو عليه.

وبحسب استبيان سابق أجرته "آخر قصة" وشارك فيه 670 مصوتًا من العرسان الجدد في غزة حول تغيّر أنماط استهلاك الذهب، وتحديدًا "دبلة الزواج"، تبين أن 31% منهم (208 مصوتين) استغنوا عنها تمامًا بسبب الغلاء، واشترى 29% الدبلة الذهبية كما خططوا، واتجه 17% إلى وزن أو عيار أقل، وأجّل 16% الشراء لحين تحسن الظروف، واختار 7% معدنًا بديلًا.
ويرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن الأزمة ترتبط بطبيعة السوق المغلقة وغياب الكميات الواردة، ما أحدث اختلالًا بين العرض والطلب ودفع الأسعار إلى مستويات تفوق العالمية بكثير. فأونصة الذهب عالميًا عند نحو 4000 دولار تعادل سعرًا تقديريًا للغرام عيار 21 يتراوح بين 80 و85 دينارًا، وهو قابل للتغير وفق شاشات التداول، بينما يتراوح السعر في غزة بين 125 و130 دينارًا.
ويؤكد أبو قمر أن ارتفاع الطلب لا يرتبط بالضرورة بتحسن القدرة الشرائية، بل يعود جزئيًا إلى اهتزاز الثقة بالنظام المصرفي، في ظل مخاوف من تجميد الحسابات وتعذر الوصول إلى المدخرات، فيحوّل كثيرون أموالهم إلى الذهب لحفظ قيمتها، ما يفاقم الضغط على سوق تعاني أصلًا من نقص حاد في الكميات. ويضيف أن تزامن هذا الإقبال مع إغلاق السوق أمام التوريد يخلق طلبًا كبيرًا أمام معروض محدود، ويزيد المشهد تعقيدًا في مجتمع يعاني من تراجع الدخول وارتفاع معدلات الفقر.
وبينما يظل إدخال الذهب إلى القطاع شرطًا أساسيًا لإعادة التوازن إلى السوق، تبقى الحاجة ملحّة إلى آليات رقابية تضمن شفافية التسعير وتحمي المواطنين من تفاوت أسعار البيع والشراء. وإلى أن تتغير هذه الظروف، سيظل الذهب في غزة يحمل قيمة تتجاوز وزنه وسعره؛ فكل قطعة منه باتت تختصر حكاية ادخار مؤجل، أو حلمًا تعذّر تحقيقه، أو حاجة دفعت أصحابها إلى التخلي عن آخر ما يملكون.