قبل أذان الفجر بقليل، لا توقظهم رائحة الطعام الدافئ أو الشاي الغزي المعتاد، بل رائحة الدخان الأسود الثقيل التي تتسلل إلى الرئتين، تثقل الصدور، وتلسع العيون. في طرف مخيم صغير للنازحين أُقيم وسط مدينة غزة، تنحني نجاة اليازجي فوق موقد بدائي مصنوع من حجارة مكسورة أمام باب خيمتها، تضع كرتونًا وبقايا خشب، تنفخ طويلًا… فتشتعل نار تعب طويل.

يرتفع الدخان الكثيف، يملأ محيط الخيمة الخارجي، يدخل الصدور، ويبدأ السحور المُعدّ على نار الحطب، ليس رغبة في النار، بل لعدم وجود بديل. حولها، تشتعل نيران أخرى، طقطقة حطب، سعال متقطع، أصوات نفخ متعبة، فيستيقظ المخيم كله دفعة واحدة، ويبدأ السحور، والحياة هنا اختُزلت في لهب واحد وثوانٍ من السعال.

تقول اليازجي وهي تقلّب قدرًا أسودًا على النار: “نوفر الغاز لإعداد وجبة الإفطار ونحن صيام… أما السحور، فنضطر لإشعال النار خوفًا من نفاد الغاز”. 

الطبخ على النار هنا ليست خيارًا، بل بديل قاسٍ على الجميع، بما فيهم الأطفال، إذ يُحرق خشب من الركام، كرتون، بقايا أثاث، وأحيانًا مواد لا ينبغي حرقها، يرتفع الدخان ويهبط منخفضًا، يدخل الخيام، يلتصق بالملابس والصدور، فيتناولهم سحورهم مختلطًا بالدخان.

الأطفال يستيقظون على صوت الاختناق لا على نداء المسحراتي. ابنها محمود، ذو التسع سنوات، يجلس في زاوية الخيمة واضعًا كمّ قميصه على أنفه، عيناه دامعتان، وصدره يصدر صفيرًا خافتًا. يقول بصوتٍ خافت: "السحور يعني نار، والدخان يختبئ في كل زاوية". وبجواره، شقيقته ليلى (7 سنوات) تحاول الإمساك بقدح ماء ساخن، وتكاد دموعها تختلط بالدخان.

منذ بدء النزاع في أكتوبر 2023، ومنع إدخال غاز الطهي، صار إشعال النار مهمة يومية للعائلات في قطاع غزة لكل شيء: للطهي، لتسخين الماء، وحتى لكسر الجوع. الغاز الذي كان يُدخل بانتظام اختفى لفترات تجاوزت عامًا كاملًا في بعض المناطق، ثم عاد بشكل محدود وغير منتظم، ليبقى نادرًا وثمينًا.

في السوق السوداء، قفز سعر اسطوانة الغاز سعة (12 كغم) من نحو 66 شيكل قبل الحرب إلى حوالي 400 شيكل في بعض المناطق داخل القطاع، أي ارتفاع يزيد عن 2,600% أي أكثر من 26 ضعف السعر الأصلي. في مناطق أخرى مثل دير البلح وخان يونس، وصلت الزيادة إلى 663% مقارنة بأسعار ما قبل الأزمة، مما جعل الحصول على الغاز خارج قدرة معظم الأسر في ظلّ متوسط دخل لا يتجاوز دولارين ونصف يوميًا.

نتيجة لذلك، بات الطهي بالغاز شبه مستحيل، ومع اشتداد الأزمة اضطرت أكثر من 90% من العائلات في كثير من المناطق للاعتماد على بدائل غير آمنة، كالحطب والنفايات بدلًا منه. كما أشارت تقديرات إلى أن 53% من السكان يعتمدون على الحطب و46% على حرق النفايات الصلبة والبلاستيك لإعداد الطعام.

أبو خليل محمدين (60 عامًا) مريض بالربو، يقطن في خيمة غرب خانيونس جنوب قطاع غزة، يستند إلى وسادة هزيلة: “الدخان يقتلني… لكن لا مفر منه، فإذا لم نشعل نحن في خيمتنا، فالمخيم كله يكون سحابة دخان”.

زوجته أم خليل لم تنم سوى ساعتين، جمعت الخشب مساءً، أيقظت العائلة، أشعلت النار، وأعدّت ما توفر: خبز محمص، قليل من الجبن، شاي ساخن. بين النفخ ومسح الدموع، احترق طرف عباءتها واحمرت عيناها. تقول: "أخاف على صحة زوجي، فأحاول إشعال النار قبل ايقاظه لكن الدخان يسبقني".

المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، خليل الدقران، يوضح أن الدخان الناتج عن حرق البلاستيك والخشب يساهم في انتشار التهاب الرئتين والربو، في وقت لا يملك فيه النظام الصحي في غزة المعدات أو الأدوية الكافية للعلاج. 

ويؤكد أن اعتماد الأسر على حرق البلاستيك والخشب في الأفران الطينية لم يعد مجرد وسيلة للطهي، بل أصبح خطرًا صحيًا يوميًا يهدد السكان بمختلف أعمارهم.

يقول الدقران: "الدخان المتصاعد من حرق البلاستيك يملأ الخيام والمنازل، ويحتوي على مواد سامة تسبب انتشار التهاب الرئتين، الربو، ومشكلات تنفسية أخرى خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن".

نقص الغاز والوقود لم يعد مجرد أزمة طهي في قطاع غزة؛ بل أصبح عاملًا يفاقم الجوع ويقوّض قدرة النظام الصحي على العمل بشكل كامل، مع تعطل أو خطر توقف 17 مستشفى و43 مركزًا صحيًا عن تقديم الخدمات، إضافة إلى تهديد تشغيل المخابز والمساعدات الإنسانية والمياه، بحسب بيانات أممية ضمن تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

ويشير مراقبون إلى أنّ هذا التحول القسري لم يقتصر أثره على المطبخ فقط، بل امتد ليشمل الأمن الغذائي والصحة العامة والخدمات الأساسية. يعيش أكثر من نصف مليون شخص في غزة حالة جوع شديد عبر فترات متقطعة خلال العامين الماضيين، في وقت يصعّب فيه ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة على الأسر تأمين احتياجاتها الأساسية.

وتبين في بيان مشترك صادر عن منظمات أممية، أن نقص الوقود لا يؤثر فقط على المنازل، بل يقوِّض خدمات المياه، الصحة، المخابز والمساعدات الإنسانية بأكملها، مما يجعل الأزمة في غزة متشابكة بين الطاقة والغذاء والصحة والخدمات الأساسية.

قبل الحرب، كان السحور ضوءًا هادئًا، خبزًا ساخنًا، ماءً باردًا، وطمأنينة. أما الآن، فأصبح ظلامًا ودخانًا وتعبًا وخوفًا من لهب قد يكبر؛ لم يتغير السحور بقدر ما تغيّر نمط الحياة نفسه. ولا يقتصر أثر الدخان على الصحة الجسدية، بل يمتد إلى الصحة النفسية أيضًا، إذ يتحول الخوف اليومي من الحريق أو الاختناق إلى عبء يلازم الكبار والصغار ويعيد تشكيل الروتين العائلي بالكامل. 

لحظات السحور التي كانت مساحة هدوء، غدت ساعة من القلق المستمر، تتخللها صرخات خافتة وسعال متكرر ومحاولة دائمة للموازنة بين الحاجة إلى الطعام والخوف من الخطر. 

وترى المختصة النفسية أروى أحمد أن العيش تحت تهديد يومي غير مرئي، كالدخان أو خطر الاشتعال داخل بيئة مكتظة، يخلق توترًا مزمنًا لدى الأسر، خاصة الأطفال، وقد يقود إلى اضطرابات في النوم وقلق دائم واستنزاف نفسي طويل الأمد، حيث تتحول حتى اللحظات الروتينية مثل السحور إلى تجربة ضغط بدلًا من كونها لحظة طمأنينة.

بعد السحور، يهدأ اللهب وتنطفئ النار تدريجيًا، لكن الدخان يبقى معلقًا في الهواء. يأكلون على عجل، يشربون ماءً، يتعالى سعال هنا وآخر هناك، ثم ينتظرون أذان الفجر. لا أحد يفضّل الطبخ على النار، فالخيارات الأخرى محدودة ونادرة. في غزة، يعيش السكان صراعًا متواصلًا عند السحور مع الدخان والجوع ونقص الخدمات، وساعة اختبار قاسية للجسد قبل الصيام.