في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، يعيش رجب إسماعيل (35 عامًا) مع أسرته في منزل شبه مدمر، تكسوه آثار الحرب وتحيط به عدة مولدات كهربائية تعمل لساعات طويلة يوميًا. المنزل مكتظ، والنوافذ المهمشة المغطاة بالنايلون تكفي لحجب الدخان المتصاعد من المولدات المجاورة، ما يجعل الهواء داخله ثقيلًا ومشحونًا بالملوثات. 

ابنه الصغير أحمد، البالغ من العمر ثمانية أعوام، يعاني من نوبات الربو المزمن التي تتفاقم بشكل ملحوظ كلما اشتغلت المولدات، فيصبح التنفس بالنسبة له مهمة صعبة ومحفوفة بالمخاطر.

يقول إسماعيل: "كل يوم الساعة السابعة صباحًا يبدأ تشغيل المولد القريب، فتبدأ نوبات السعال وضيق التنفس لدى أحمد، رغم إغلاق النوافذ والأبواب، لا شيء يخفف من الدخان. الكهرباء بالنسبة لنا حاجة أساسية لحياتنا اليومية، لكن ابني لا يحتمل هذا الدخان الكثيف (...) في كل مرة يُشغَّل فيها المولد أشعر وكأنه يتعذّب أمام أعيننا، ونحن عاجزون عن حمايته من هذه المعاناة اليومية".

كما يملأ الهواء المحمل بالدخان والملوثات المنبعثة أجواء الحي، فلا يمكن لأحد أن يهرب منه، سواء داخل المنازل أو الخيام، ما يجعل التلوث الهوائي واقعًا يوميًا ملموسًا.

بين أنقاض الحرب ودمار البنية التحتية، لم تعد مسألة توفر الكهرباء في قطاع غزة مجرد خدمة عادية، بل أصبحت حاجة أساسية للبقاء على قيد الحياة، لكنها متاحة بطرق غير آمنة، أبرزها المولدات الكهربائية الصغيرة المنتشرة بين الخيام والأحياء السكنية المكتظة. 

منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 وتفاقم أزمة الطاقة، صارت هذه المولدات جزءًا لا يتجزأ من حياة السكان اليومية، لكنها في الوقت نفسه تحوّلت إلى مصدر دائم للخطر الصحي والبيئي، مع تأثيرات ممتدة على الهواء والتربة والمياه، ما يجعل حق الحصول على الكهرباء مرتبطًا مباشرة بمخاطر جسدية وبيئية كبيرة.

على بُعد بضع كيلومترات، تواجه أم أدهم البنا (60 عامًا)، التي تعاني أمراض القلب المزمنة، إرهاقًا يوميًا لا يطاق بسبب الضجيج المستمر والدخان الكثيف المنبعث من مولد كهربائي قريب من منزلها في منطقة السامر وسط مدينة غزة. 

تروي أم أدهم: "المولد يعمل عشرين ساعة يوميًا، الضجيج والدخان لم يعدا يفصلان بين المنزل والشوارع، وكأنّ الهواء نفسه أصبح مسرحًا للتلوث المستمر."

على إثره تشعر المسنة البنا بإجهادٍ يومي متزايد وضيق في التنفس. تردف: "قدّمنا شكوى إلى بلدية غزة منذ شهرين، وحتى الآن لا يوجد أي حل، ولا يبدو أن أحدًا يلتفت لمعاناتنا". إذ أصبح الدخان جزءًا ثابتًا من حياتهم اليومية، والحياة في المنزل تحوّلت إلى تحدي صعب بين حاجتهم للكهرباء وحقهم في العيش بصحة وسلامة.

على نحوٍ أشدّ قسوة، تعيش آية ياسين (23 عامًا)، حامل في شهرها السادس، حالة توتر مستمر بسبب الهواء المحمل بالدخان المنبعث من المولدات القريبة، وهو توتر يركز أكثر على الخوف النفسي على جنينها من التلوث والآثار الصحية المحتملة. 

توضح: "كل نفس من الدخان يجعلني أخاف على طفلي، وكأن التلوث أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، يهدد صحة الجيل القادم". وتضيف أن هذا الخوف يرافقها طوال اليوم، يجعلها تتجنب أماكن معينة داخل المنزل ويحدد تحركاتها، بحيث لم يعد المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا للراحة آمنًا بالنسبة لها.

أما محمد المصري (28 عامًا)، فيعمل في تشغيل وصيانة المولدات الكهربائية، مهنة فرضتها الحاجة الملحة للكهرباء في ظلّ الانقطاع المستمر منذ سنوات. يضطر للبقاء لأوقات طويلة قرب المولدات، محاطًا بالدخان والضجيج من دون أي وسائل حماية صحية، لتأمين مصدر دخل لعائلته.

يقول: "التعرّض المباشر لدخان المولدات تسبّب لي بسعال مزمن، وحرقة في العينين، وصداع متكرر. أعمل في تشغيل المولدات لأؤمّن قوت يومي، لكن الدخان يؤذيني كثيرًا".

ويشير إلى أنه بعمله يوفر الكهرباء للجميع، لكن يقرّ أنّ: "كل ساعة قرب المولد تضيف دمارًا للهواء والتربة من حولنا، ومع ذلك، لا خيار آخر متاح." فيما يثقل التعرض المستمر للدخان والضجيج جسده يوميًا، فيعود إلى منزله متعبًا ومثقلًا بالآثار الصحية، بينما يظلّ القلق يرافقه حول تأثير هذا التعرض على صحته على المدى الطويل.

يعكس واقع قطاع غزة الحالي أزمة مركبة، فبعد تدمير الشبكة الكهربائية خلال النزاع، لم تعد الإمدادات الحكومية مستمرة، بينما استوردت بعض المولدات الخاصة لتغطية نقص الكهرباء والاحتياجات الملحة للسكان.

ويحتاج القطاع حوالي 600 ميغاوات لتغطية احتياجاته، بينما لا تتجاوز الإمدادات الحالية نحو 250 ميغاوات، ما يوضح حجم الفجوة التي تدفع السكان لاعتماد المولدات بشكل يومي.

لكن الاعتماد على مولدات الديزل هذه، التي تعمل أحيانًا 15–20 ساعة يوميًا، أدى إلى تلوث الهواء بشكل كبير في الأحياء المكتظة، ما يفاقم المشاكل الصحية للسكان مثل أمراض الجهاز التنفسي والربو المزمن، ويترك أثرًا طويل الأمد على البيئة المحلية من خلال تراكم الجسيمات الدقيقة وتسرب الوقود والزيوت في التربة والمياه.

وتبين في نتائج دراسات بحثية حديثة أن تشغيل هذه المولدات يرفع مستويات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO₂) ومركبات ضارة أخرى في الهواء، ما يزيد الضغط على الجهاز التنفسي للسكان ويؤثر على جودة الهواء في الأحياء المكتظة.

أخصائي الأمراض الصدرية الطبيب أحمد حجاج، يؤكد أنّ التعرض المستمر لانبعاثات المولدات أصبح مشكلة صحية يومية لسكان قطاع غزة.

ويقول الطبيب حجاج إنّ السعال المزمن، ضيق التنفس، نوبات الربو، وتهيج الحلق والعينين أصبحت أعراضًا شائعة في الأحياء المكتظة بالمولدات. إذ إنّ غاز أول أكسيد الكربون الناتج عنها يُشكِّل خطرًا مباشرًا، وقد يؤدي إلى تسمم شديد أو فقدان وعي عند التعرض الطويل.

ويشير إلى أنّ الأطفال وكبار السن والمرضى المزمنون هم الأكثر عرضة للخطر، بينما التعرض المستمر لهذه الانبعاثات يزيد من تفاقم الأمراض المزمنة ويضعف المناعة، ما يجعل السكان أكثر عرضة للأمراض التنفسية والجلدية.

هذه المعاناة اليومية تتجلى أيضًا على مستوى البيئة، إذ تتسبب بمشاكل لم يعرفها السكان من قبل. الخبير البيئي المهندس نزار الوحيدي، يوضح أن المولدات العاملة بالديزل أصبحت مصدر خطير للتلوث الهوائي في غزة.

ويقول: "انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة PM2.5 وPM10 قادرة على اختراق الرئتين ومجرى الدم. خطورة هذه الانبعاثات لا تتعلق بحجم المولد فقط، بل بعدد ساعات تشغيله وكثافته داخل الحي".

ويؤكد على أنّ المولدات لا تلوث الهواء فقط، بل تمتد أضرارها إلى التربة والمياه. إذ يؤدي تسرب الوقود والزيوت، وتصريف مخلفات التشغيل بشكل عشوائي، إلى تلوث التربة والمياه الجوفية الضحلة؛ ما يهدد سلامة البيئة والصحة العامة على المدى الطويل. كما أنّ النباتات والحيوانات المحلية تتأثر أيضًا، مما يخلق حلقة مفرغة من التدهور البيئي في مناطق مكتظة بالسكان.

وتظهر بيانات محلية إلى أن المولدات في غزة تعمل لساعات متواصلة وطويلة يوميًا لتعويض انقطاع الكهرباء المزمن، تصلّ في بعض الحالات إلى ما يزيد على 15 ساعة يوميًا، فيما تُظهر الملاحظات الميدانية التي قامت بها مراسلة "آخر قصة" أن عدد ساعات تشغيل المولدات ارتفع تدريجيًا من 10–12 ساعة يوميًا في 2023 إلى 15–20 ساعة في 2025–2026، ما أدى إلى تراكم ملوثات خطيرة في الهواء والتربة والمياه.

الخبراء يؤكدون أن استمرار هذا الوضع من دون تنظيم صارم أو حلول بديلة سيؤدي إلى كارثة صحية بيئية، مع تزايد الأمراض التنفسية والقلبية والتسمم الناتج عن أول أكسيد الكربون والجسيمات الدقيقة، إضافة إلى تلوث طويل الأمد للتربة والمياه.

رغم الضرورة القصوى للمولدات، يشدد الوحيدي على أن الحدّ من آثارها ممكن من خلال تنظيم أماكن تشغيل المولدات بعيدًا عن المناطق السكنية، تقليل ساعات التشغيل قدر الإمكان، تركيب فلاتر للحدّ من انبعاث الدخان، والتوجه التدريجي نحو مصادر طاقة بديلة، مثل أنظمة الطاقة الشمسية.

وتفيد تقديرات قطاع الكهرباء بغزة إلى أنه خسر نحو 2.1 مليار كيلوواط/ساعة نتيجة تدمير البنية التحتية خلال النزاع، ما يعكس عمق الأزمة ويبرر الاعتماد شبه الكامل على المولدات الخاصة.

في غزة اليوم، لم تعد المولدات مجرد وسيلة لتوليد الكهرباء، بل واقع يومي يفرض على السكان تحمل أضرار صحية وبيئية جسيمة. بين ضرورة الكهرباء وكلفة الضرر، تتحول هذه المولدات إلى اختبار صعب للإدارة البيئية والصحية، يضع السكان أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن تلبية احتياجاتهم الأساسية دون أن تتفاقم المخاطر الصحية وتتدهور البيئة المحيطة بهم.