يقف المزارع يحيى شلط في أرضه الزراعية وسط مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، متأملًا الشتلات التي غرسها بيديه، فيما لا يملك وسيلة لحمايتها من تسرب تلوث محتمل خارج عن إرادته، فالمحاصيل تتعرض أحيانًا للتلف بفعل تلوث التربة والمياه غير الآمنة، فيحاول حرث أرضه واتباع كل أسس السلامة الممكنة، لكن البيئة التي تعرضت للتلوث بفعل الحرب تقف عائقًا أمام جهوده، إذ يجزم أن المحاصيل الزراعية ليست بالكفاءة المطلوبة لكنها مُرضية.
هذا المشهد الفردي يتكرر في عشرات الأراضي الزراعية المتبقية في قطاع غزة، فيجد المزارعون أنفسهم أمام معضلة مزدوجة: أرض تلوثت بفعل النزاع المستمر منذ أكتوبر 2023، وغياب شبه تام لأي جهة قادرة على قياس حجم هذا التلوث أو تأكيد خلو المحصول منه قبل أن يصل إلى مائدة المستهلك.
المزارع شلط يعمل في الزراعة منذ أعوام طويلة، انقطع عن الزراعة لفترة لكنه لم ينس أسس الزراعة، يقول: "أنا مزارع متمرس بالزراعة أميز بين حبة البندورة الملوثة أو الطبيعية، لكن عندما ترى المحصول بالعين المجردة تظن أنه بحالة جيدة لكنه يكون غير منتجًا، وهذا بسبب
ضعف كفاءة البذور لإنه يتم تدويرها محليًا بطرق بدائية، عدا عن مستوي التلوث البيئي مرتفع لعدم تصريف النفايات بشكل منتظم. ووجود برك مياه عادمة لعدم انتظام عملية الصرف الصحي وتعرض الشبكات للتدمير مما أثر على المياه الجوفية".
يروي: "نحن في قطاع الزراعة نعتمد الآن على تشغيل آبار خاصة معظمها ملوثة لقرب هذه المياه من سطح الأرض وبدوره يؤثر سلبًا على المحاصيل، ما حدث هنا أدى بالفعل لتراجع الكفاءة الإنتاجية، والجودة، والضرر على المزروعات يصعب كشفه إثر عدم وجود مختبرات فحص".
تلوثٌ بلا قياس
في غزة، وبعد أحداث العنف في الثلاث سنوات الأخيرة تحديدًا، تعرضت مساحات زراعية للتلوث بفعل القصف والملوثات الناتجة عن الانفجارات، وتسرب مياه الصرف الصحي، وتجريف التربة، لكن المزارعين عادوا للعمل بوسائل بدائية، يحرثون الأرض بأيديهم، ويكثفون ترميمها للحفاظ على سلامة محاصيلهم الزراعية، رغمًا عن تلفها غالبًا إثر نقص الأسمدة والمواد اللازمة للقضاء على حشرات الأرض، لكن هل تكفي المحاولات البسيطة من المزارع الفلسطيني للحفاظ على سلامة المحاصيل؟ هل الأمر بالأصل ضمن حدود قدرته؟ وما المخاطر المحتملة التي قد تتسرب للنبات من التربة؟ وهل يمكن أن يصل التلوث للإنسان ويتضرر منه بدرجة كبيرة؟ وما دور وزارة الزراعة في متابعة سلامة وأمان المحاصيل الزراعية؟
بحسب تقرير يصدر عن منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، فإن 3% فقط من الأراضي الزراعية في غزة غير متضررة ويمكن الوصول إليها، حيث 89% من البساتين والأشجار تضررت، أما بساتين الزيتون فقد تضررت بمعدل 90% وفق تحليل صدر في أكتوبر المنصرم.
وبحسب تقييم جغرافي مكاني حديث، نشرته "الفاو" ويونوسات في أغسطس 2026 استنادًا إلى بيانات جُمعت أواخر يونيو من العام نفسه، تقلّصت مساحة الأراضي الزراعية السليمة والمتاحة فعليًا للمزارعين أكثر، من 601 هكتارًا في أكتوبر 2025 إلى 448 هكتارًا فقط في نهاية يونيو 2026، أي بانخفاض نسبته 25.5% خلال ثمانية أشهر، فيما لم يعد صالحًا للاستخدام سوى 16.6% من البيوت الزراعية المحمية، وارتفعت نسبة الأراضي غير المتاحة للمزارعين في منطقة رفح وحدها إلى أكثر من 97%.
وكان القطاع الزراعي ينتج ما نسبته 120 ألف طن من المحاصيل الزراعية، أما الإنتاج الآن لا يغطي 7% من الاحتياج الفعلي، إذ لا يتعدى نحو 7 إلى 8 طن.
في المقابل، كانت المواطنة بسمة النجار تزرع في حديقة بيتها الصغير في مخيم جباليا، شمالي القطاع، بعض المزروعات، لكنها اليوم على الرغم من اشتياقها للزراعة، لا تزرع، فلا مكان مؤهل للزراعة فيه، تزرع النعناع في إصيص صغير بجانب خيمة نزوحها فقط، وتتساءل في خلدها: "هل المحاصيل الزراعية آمنة؟" هل يوجد ضرر منها على المواطن؟" "ما المواد التي تسربت للتربة ثم للمحصول الزراعي فأفسدته؟" هل من متابعة من قبل وزارة الزراعة لما يضخ في الأسواق من خضروات وفواكه من الأراضي الزراعية المحلية؟"
تقول: "في المجاعة خلال الحرب زرعت سطح منزلي بالكامل، حرثت التربة بنفسي وفرشتها على مد البصر على السطح، زرعت كل شيء فلفل، بندورة، خيار، باذنجان، بقدونس، وأكلت مما زرعناه، حتى نزحنا وتركت بيتي ومزروعاتي فدمرت كلها، صرت خبرة بالزراعة من بعدها أعرف النبات التالف من الجيد، لكن هناك تلوث لا نراه بالعين".
هذه الأسئلة التي تطرحها السيدة النجار، والقلق ذاته الذي يخالج المزارع شلط وهو يفحص محصوله بعينه المجردة، يفتحان الباب أمام سؤال أوسع: إذا كان المزارع والمستهلك عاجزَين عن معرفة ما إذا كان الغذاء الذي يزرعانه أو يقتاتان عليه آمنًا، فمن الجهة المنوط بها أن تجيب؟ ولماذا لا تزال الإجابة غائبة بعد نحو ثلاث سنوات على اندلاع الحرب؟

مختبرات مدمرة
في ظل التلوث الحاصل، وانعدام الامكانات الحالية، فلا مختبرات رسمية لفحص المحاصيل الزراعية، توجهت مراسلة آخر قصة للحصول على إجابة لعدة أسئلة عالقة، من مدير وحدة المختبرات في وزارة الزراعة، محمد العبادسة، للاستفسار منه حول ما مدي أمان المزروعات في غزة؟ وهل هي صالحة للأكل فعلًا؟ وماذا عن محاولاتهم لإعادة تفعيل مختبر لفحص التربة وعينات من المحاصيل للتأكد من سلامتها قبل أن تصل للمستهلك؟ وما الآلية التي كانت متبعة لفحص المنتجات الزراعية قبل الحرب؟
يجيب: "لا توجد آلية واضحة للتحقق والقياس تعطي نتائج حقيقية بشأن سلامة المنتج الزراعي المحلي، ومن المؤكد أن القصف ومخلفات المتفجرات والمواد الكيميائية أحدثت تلوثًا كبيرًا في التربة ومصادر المياه، لكن لا يمكن تقدير حجمه ولا تراكيز الملوثات في التربة أو المياه أو الهواء، ولا توجد أي إمكانية لإجراء فحوصات كيميائية حقيقية للتحقق من تراكيز المبيدات أو من الملوثات الناتجة عن القصف".
تكشف إجابة العبادسة عن فجوة جوهرية: فالجهة الرسمية المعنية بسلامة الغذاء تُقرّ بأنها لا تملك أدوات القياس؛ ما يعني أن الحكم على أمان أي محصول يبقى تقديريًا لا علميًا.
ويتابع: "الفحص حاليًا ظاهري فقط، تنفذه الفرق الميدانية في الأسواق، ويعتمد على المظهر واللون والرائحة وعلامات الفساد أو عدم النضج، وتُتلف البضائع الفاسدة وغير الصالحة للاستهلاك".
بعبارةٍ أخرى، فحص محدود بالعين المجردة يحل اليوم محل التحليل المخبري الغائب تمامًا، وهو ما يعني أن أي تلوث كيميائي أو بيولوجي لا يترك أثرًا ظاهريًا قد يمر دون أن يُكتشف.
يضيف العبادسة: "قبل الحرب كانت لدى وزارة الزراعة إمكانيات كبيرة للفحص، منها أجهزة الفحص الكروماتوغرافي، وكانت تُؤخذ عينات من جميع البضائع الواردة، ومن المزارع خلال الجولات التفتيشية التي يجريها المهندسون الزراعيون. وكان العمل يسير في ثلاث مسارات أولها الرقابة الفنية الميدانية: متابعة استخدام المبيدات وظروفه وكمياته وتراكيزه. فحص مدخلات الإنتاج الزراعي: الأسمدة والمبيدات والبذور، للتأكد من جودتها ومطابقتها للمواصفات. فحص المنتجات الزراعية: المحلية (وأغلبها خضار وفواكه) والمستوردة من جانب الاحتلال ومن مصر".
كان مختبر المبيدات يفحص متبقيات المبيدات بطرائق طُورت لتناسب إمكانيات غزة، وفقًا للعبادسة، وذلك بأجهزة مثل جهاز LC-MS، وعلى أساس النتائج يُتخذ القرار الفني بشأن كل شحنة. لكن كل هذا دُمر، وفي وزارة الزراعة وحدها تم تدمير ست مختبرات: مختبر المبيدات المركزي، ومختبر المياه والتربة، ومختبر البيطرة، ومختبر تشخيص أمراض النبات، ومختبر زراعة الأنسجة، ومختبر الثروة السمكية.
ويشدد العبادسة أنه هناك حاجة كبيرة لإدخال مواد الفحص والكواشف الكيميائية والأجهزة المتطورة، وقد تم التواصل مع جهات دولية، وكان الرد دائمًا أن المرحلة الحالية مرحلة استجابة طارئة تركّز على الغذاء والماء والمأوى.
مخاطر خفية
وإذا كانت الجهة الرسمية تعجز عن قياس حجم الخطر، فإن أهل الاختصاص العلمي يحاولون رسم ملامحه انطلاقًا مما تحمله التربة والمياه من مركبات.
من ناحية علمية، يقول المهندس الزراعي بكر يونس: "إنه يمكن أن تنتقل المعادن الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم والزرنيخ والزئبق والكروم، إضافة إلى بعض المركبات النفطية وبقايا المتفجرات، أما مياه الصرف فقد تنقل البكتيريا والفيروسات والطفيليات إلى سطح المحصول، ويتأثر الامتصاص بنوع الملوث والمحصول، ودرجة حموضة التربة وملوحتها ومادتها العضوية، ومصدر مياه الري وتركيز الملوث".
هذا التنوع في مصادر التلوث يجعل بعض المحاصيل أكثر عرضة من غيرها، بحسب طبيعتها ومكان نموها بالنسبة لسطح التربة.
وعند سؤالنا إياه عن أكثر الخضروات تأثرًا بالتلوث؟ أجاب: "الخس والسبانخ والسلق أكثر عرضة لتراكم بعض المعادن وللتلوث السطحي، بينما المحاصيل الجذرية مثل الفجل والجزر واللفت تلامس التربة مباشرة، وغالبًا تكون ثمار الطماطم والخيار أقل تراكمًا للمعادن من الجذور والأوراق، لكنها قد تتلوث عند ملامسة مياه صرف أو تربة ملوثة، ولذلك عند غياب التحاليل، يُنصح خصوصًا بتجنب زراعة المحاصيل الورقية والجذرية في التربة المشتبه بها".
ويوضح يونس أنه قد تظهر أعراض مثل ضعف الإنبات، والتقزم، واصفرار أو احتراق الأوراق، واسمرار الجذور، وتشوه الثمار وانخفاض الإنتاج، لكن هذه الأعراض غير خاصة بالتلوث، وقد يكون النبات ملوثًا رغم مظهره الطبيعي.
ولأن العين وحدها لا تكفي للحكم، يقترح يونس عددًا من الإجراءات التي يمكن أن يطبّقها المزارع بموارد محدودة نسبيًا للتقليل من المخاطر، دون أن تغني عن الفحص المخبري الغائب أصلًا:
وفي حالة الاشتباه بتلوث مرتفع يمكن استخدام أحواض مرتفعة بتربة نظيفة ومعزولة، وتغيير مصدر مياه الري، واستخدام الري بالتنقيط، وضبط درجة حموضة التربة، وإضافة مادة عضوية نظيفة، واختيار محاصيل ثمرية قد تقلل انتقال بعض الملوثات، لكنها مع ذلك لا تزيل المعادن الثقيلة من التربة ولا تضمن سلامة المحصول.
وينبه إلى أنه لا توجد مختبرات لفحص التربة ومياه الري، والجزء المأكول من التربة، مما يجعل الأمر معلقًا، حيث أن بعض الملوثات الخطرة قد تتراكم في النبات من دون أن تسبب أعراضًا ظاهرة أو تغيرًا في اللون أو الطعم. لذلك لا يمكن الاستعاضة عن التحليل المخبري بالفحص البصري.

وإلى جانب ما يصل إلى النبات مباشرة، ثمة مسار آخر للتلوث يتعلق بالتربة والمياه الجوفية نفسها، يفصّله المختص البيئي نزار الوحيدي.
تصل الملوثات إلى الخضار والفواكه بعدة طرق، إما عبر الملوثات الجهازية، وهي مواد تمتصها جذور النبات من التربة أو المياه وتنتقل بعد ذلك إلى أنسجته وأجزائه المختلفة، وبالتالي قد تصل إلى الأجزاء التي يتم استهلاكها، وتُعد هذه الفئة أكثر تعقيدًا من ناحية المعالجة، والنوع الثاني فهو الملوثات السطحية أو التلامسية، التي تترسب على أوراق النباتات أو أسطح الثمار نتيجة الغبار أو الرذاذ أو بعض مصادر التلوث المحيطة، وهذه الملوثات قد يمكن التخلص منها بغسلها.
ويضيف الوحيدي: "أن ارتفاع درجات الحرارة توفر بيئة ملائمة لزيادة نشاط الحشرات وارتفاع نسب تكاثرها، مما يرفع مخاطر الآفات الزراعية وبالتالي تؤثر على النباتات، والأمطار الغزيرة تؤثر بصورة كبيرة، إذ تؤدي دفعها إلى أعماق أكبر داخل التربة، وصولًا في بعض الحالات إلى المياه الجوفية، وهذه تمثل مشكلة بيئية وصحية، لأن الملوثات التي تصل إلى الخزان الجوفي قد تعود إلى الإنسان من خلال استخدام مياه الآبار للشرب أو الري أو الاستخدامات المنزلية".
غير أن بعض الملوثات، بحسبه، قد يكون تأثيرها مؤقتًا نسبيًا، بينما تبقى مواد أخرى لفترات طويلة جدًا، ومن أخطر الأمثلة المواد المشعة، ولذلك فإن المناطق التي تعرضت للقصف أو تلوثت بمواد خطرة تحتاج إلى تقييم بيئي متخصص وطويل الأمد للتعرف على الآثار بشكل أدق.
ويشير إلى أن التربة الزراعية تعرضت لتدهور في خواصها الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، فعمليات الدك والضغط الشديد للتربة تؤدي إلى انهيار جزء من بنائها الطبيعي، وتكوين طبقات سطحية متماسكة أو شبه غير منفذة، ما يقلل من قدرة المياه والهواء على الحركة داخل التربة ويحد من قدرة جذور الأشجار والنباتات على التغلغل إلى الأعماق.
فقدان الغطاء النباتي وتدهور بناء التربة يجعلانها أكثر عرضة للانجراف المائي والريحي، وفقًا للوحيدي، وقد يؤدي ذلك إلى تطاير حبيبات التربة على شكل غبار أو فقدان الطبقة السطحية الغنية بالمادة العضوية والعناصر الغذائية.
وبينما يحاول المزارعون استعادة أراضيهم بوسائل محدودة، تواجه التربة تحديات متراكمة تشمل مخلفات وركام الحرب، وتلوث المياه، وتدهور بنيتها، والانجراف، ونقص مستلزمات الإنتاج، ويحاربون وحوش خفية متمثلة في معادن ثقيلة لا تظهر إلا بالكشف المخبري، وفي مقابل ذلك تقف الجهات المختصة عاجزة عن إجراء فحوصات للتدقيق في سلامة المحاصيل.
وبذلك، يتحول غياب مختبر واحد قادر على تحليل عينة تربة أو ثمرة طماطم إلى معادلة يومية يعيشها كل من يضع طبقًا من الخضار على مائدته في غزة: لا أحد يستطيع أن يؤكد له أن ما يأكله خالٍ من الرصاص أو الكادميوم أو بقايا المتفجرات، وما بين يقين المزارع بعينه المجردة، وشكوك المواطن، وإقرار المسؤول بالعجز عن القياس، يبقى الأمان الغذائي في غزة رهين انتظار غير محدد المدة.
ويبقى السؤال: "إلى متى سيبقى الوضع على ما هو عليه وفكرة الزراعة الآمنة تظل في مهب الريح؟"