تقف آلاء أبو ناصر في منتصف غرفة في منزلها لا تتجاوز مساحتها ستة أمتار في ستة حولتها إلى مطبخ لتمارس فيه عملها كـ "شيف"، ترتدي مريولها الوردي، وتلمس وعاء العجين برفق كأنها تلامس ذاكرة لا تريد إيقاظها. تتنقل عيناها بين الطاولات التي تحتضن أدواتها البسيطة، قبل أن تمتد يدها برفق نحو وعاء العجين، تصب الدقيق، تعجن، تحشو بالجبن، وتُدخل الصينية إلى فرن قديم لا يضبط حرارته إلا بمحاولات عنيدة. الرائحة تفوح، والدموع تنهمر. لكنها تمسحها سريعًا، لأن البكاء رفاهية لا تملكها امرأة تسهم في إعالة أهلها، والحرب لا تنتظر.
بين حركة يديها المتواصلة، كانت تستعيد بصمت الطريق الطويل الذي أعادها إلى هذه اللحظة. تذكرت كيف هُدم مقر مشروعها في النصيرات وسط قطاع غزة لتبدأ أولى الخسارات. ففي مشهد لا تحتمله الروايات العادية، كانت والدتها وشقيقتاها في الطريق إليها. الأولى استشهدت، ثم الثانية، وأطفالهما معهما. والدتها صمدت ٣٥ يومًا بين يدي آلاء، ترعاها حتى رحلت. بعدها بأسبوع استشهدت ابنة أختها. وبعد شهر ابن أختها الآخر. كل هذا قبل أيام من زفاف أخيها. تحوّل الفرح إلى مأتم، وآلاء إلى جسد يتحرك بين مواقد ونيران لا تنطفئ.

درست أبو ناصر (37 عامًا) تخصص السكرتارية، غير أنّ قلبها كان معلقًا بالمطبخ أكثر من أي عمل آخر؛ إذ تعشق رائحة العجين وهو يختمر، وتبرع في إعداد الحلوى والمعجنات أكثر من أي مسار مهني آخر. وبدافع من هذا الشغف، التحقت بعدة دورات تدريبية في مصر على أيدي طهاة سوريين، صقلت خلالها مهاراتها وتعلمت أسرار المهنة. ومن ذلك الشغف، ولدت فكرتها بتحويل موهبتها إلى مشروع منزلي تصنع فيه المعجنات والحلوى بحب.
تقول وهي تحشو العجين بالجبن وتلفه بعناية: "كان لدي مقر دائم أعمل فيه وأصنع به كل شيء، لكن الحرب دمرته. لم أكن أكتفي فيه بالطبخ وتوريد طلبيات الطعام فحسب، بل كنت أقدم نتاج خبرتي أيضًا عبر دورات لتعليم المعلمات والنساء صناعة الحلوى والمعجنات. وكان من المقرر في أواخر أكتوبر أن أفتتح كافتيريا صغيرة تقدم أطباقي، لكن الحرب سبقت كل شيء".
انقطعت أبو ناصر عن العمل لفترة طويلة، ثم عملت في إحدى المؤسسات الدولية لتطهو الطعام تحت وقع الانفجارات. حاولت أن تتناسى بالعمل أنها خسرت كل معداتها الخاصة ومقرها الدائم، لكن ذلك كان وهمًا؛ إذ لم تنسَ أبدًا أن شقاء العمر ذهب في لحظة. فمنذ العام 2014، انطلق مشروعها باسم "سوار الشام للحلويات والمعجنات"، وهو الاسم الذي اختارته امتنانا وحبًا للفريق السوري الذي علمها الطهو.

وبعد أن أنهت عقد عملها الذي لم تجد نفسها فيه، عادت آلاء إلى عملها كمالكة لمشروع خاص بروح أثقلتها الخسارات المتتالية. غير أنها أدركت أن الاستسلام ليس خيارًا، فمع الغلاء الفاحش بات العمل واجبًا. أعادت إحياء مشروعها، لكن هذه المرة من داخل غرفة في منزلها لا تتجاوز مساحتها ستة أمتار في ستة أمتار، حولتها إلى مطبخ صغير يضم طاولتي عمل، وثلاجة، وفرنًا، وعددًا محدودًا من الأدوات.
انطلقت لتحصد النجاح كما حصدته قبل الحرب، وبدأت بتذكير الزبائن القدامى باسمها «سوار». تضيف وهي تستند بظهرها إلى النافذة التي أصرت على تركيب عازل من الشبك لها لمنع دخول الذباب إلى مكان العمل: “حاولت في هذه الغرفة أن أوفر جزءًا بسيطًا من متطلبات العمل، لكن بعض المعجنات والحلوى تحتاج إلى فرن بدرجة حرارة معينة وهذا غير متاح، وهناك معدات أخرى يستخدمها الطهاة خلال العمل لكنها غير موجودة بفعل الحصار، وإن وجدتها فبأسعار مرتفعة، لذلك أعمل بأقل القليل لتوفير مصدر دخل”.
تردف وهي تضبط الفرن على درجة متوسطة: "أعاني من الحرارة الشديدة في هذه الغرفة المغلقة؛ يوجد بها نافذتان أفتحهما، ومع ذلك أختنق من الحر. دهنت الجدران باللون الأبيض حتى تعطي اتساعًا للمكان وأرتاح نفسيًا وأنا أعمل، لكن الطقس ينغص عليّ".
تُعدد الطاهية الأصناف التي تتقن إعدادها: من المعمول والكعك، إلى الحلويات الباردة مثل "البافاريا"، و"التشيز كيك"، و"ليالي لبنان" التي يزداد الإقبال عليها خلال فصل الصيف، إضافة إلى المعجنات، و"البيتيفور"، ومختلف أنواع الكيك. ولا تكتفي بإتقان مذاق ما تصنعه، بل تمنح كل صنف لمسة جمالية خاصة، فتزينه بعناية وتخدمه في أوانٍ منمقة.
ومع محاولاتها لتخطي المعيقات، تؤكد أن محدودية الإمكانات تقيد قدرتها على الإنتاج؛ فالكثير من المهام التي تنجزها يدويًا كان من الممكن أن تصبح أسهل وأسرع لو امتلكت معدات حديثة توفر عليها الوقت والجهد، وتمنحها فرصة لتوسيع مشروعها أكثر.

تقول وهي تعبئ طلبية معجنات وعلبًا من التشيز كيك للانطلاق نحو صاحبها: "وجدت رابطًا لدعم المشاريع الصغيرة تابعًا للغرفة التجارية، قمت بتعبئته، وبعد مدة حصلت على دعم منهم؛ فقد ساهموا في مشروعي بفرن ومعدات ومواد خام ساعدتني كثيرًا".
سعدت آلاء بالدعم الذي تلقته والذي وفر عليها الجهد والوقت في كثير من الطلبيات، ولم تنسَ أن تذكر دعم العائلة لها؛ من والدها وزوجها وأشقائها الذين دعموها معنويًا وماديًا، وأولادها محمد وهديل اللذين كانا يقفان بجانبها في غرفة العمل ويساعدانها بما تريد.
تكمل بينما تفصل الثلاجة التي تتمنى لو أن لديها خلايا شمسية لتشغيلها بدلاً من الاشتراك في مولد كهربائي تدفع له مبالغ كبيرة: "الآن، وعلى الرغم من كل المنغصات في العمل، سأخصص أيامًا في تلك الغرفة لأعقد دورات في الطهو للنساء اللواتي يردن أن يتعلمن، وأعيد تلك الأيام التي كنت لا أتوقف فيها عن منح الأمل وإعطاء التدريبات الجميلة".
وعلى الرغم من محاولاتها للمواصلة، إلا أن النزاع ترك أثرًا جارحًا في قلب آلاء التي فقدت الكثير من أفراد أسرتها لتعيش فترة من الانعزال والقهر لم تُشفَ منها حتى اللحظة. يتراءى لها وجوه من فقدتهم وهي تطهو كل صنف يحبونه.
لم تنسَ آلاء تلك الحوادث أبدًا، فقد غيرتها من الداخل. عادت نعم للعمل من أجل وجه أمها الذي يُخيل إليها في ليالي الحرب المخيفة، ولكن ما زالت تنتابها نوبات من الخوف؛ فعائلتها استُشهدت في الشارع، ومع كل طلبية تخرج لزبون ما تضع يدها على قلبها خوفًا من ألا يصل من يوصلها ويحدث له مكروه.
تختم حديثها: "أتمنى أن يهدأ قلبي، وأن يصير لي مكاني الخاص لأرتاح وأنا أعمل بدلاً من الإرهاق الذي أعانيه في المكان الجديد بعدما كنت أوفر كل سبل الراحة في عملي، وأن تنتهي الحرب بلا عودة".