في الظروف الطبيعية والاعتيادية، يُعتبر تاريخ انتهاء الصلاحية المطبوع على عبوة الدواء "خطًا أحمر" لا يُسمَح بتجاوزه، فهو الضمانة التي تقدّمها الشركة المصنعة للمريض بأن الدواء سيحتفظ بكامل فاعليته. ومع ذلك، يطرح الواقع والممارسات العمليّة، خاصة في مناطق النزاعات ومحدودية الوصول إلى الدواء، تساؤلًا أخلاقيًا وعلميًا مُلحًّا: هل تنتهي صلاحية الدواء فعليًا بمرور هذا التاريخ، أم يُمكننا تجاوزه؟ وما علاقة شركات الدواء بتقليص أو زيادة "العمر الافتراضي" للأدوية؟
تاريخ صلاحية الدواء
تقول الصيدلانية منى رضوان لـ "آخر قصّة" إنّ فترة الصلاحية هي تسمية تقنيّة يُقصَد بها "الفترة الزمنية التي تظل فيها المواد الأوّلية المستخدمة في تصنيع الدواء فعّالة وآمنة ضمن مواصفاتها الأصلية"، ويتم تحديد هذه الفترة من خلال دراسات دقيقة تُجرى على الأدوية تحت ضغوط بيئية مُحاكية (مثل درجات حرارة مرتفعة ورطوبة عالية). لكن من الناحية العلمية لا يعني هذا أن الدواء سيتحوّل فجأة إلى مادة سامة في اليوم التالي لانتهاء صلاحيته.
وتُوضّح رضوان أنّ "العديد من التركيبات الدوائية، إذا حُفظت في ظروف مثالية، تحتفظ بجزء كبير من فاعليتها لفترات طويلة بعد التاريخ المطبوع، تمتد من شهور إلى سنوات، حسب نوع الدواء. وتشمل هذه الظروف: الحفظ في درجات حرارة ورطوبة معيّنة، والحفظ بعيدًا عن الإضاءة، سواء الطبيعية منها كالشمس أو الصناعية، وكذلك حفظ الدواء بمعزل عن أيّة إشعاعات قد تُغيّر من هيئته الفيزيائية وفاعلية مكوناته الكيميائية".
وفي حالات مُعيّنة، كما تُبيّن رضوان، "يُمكن الاعتماد على الحالة الفيزيائية للدّواء كأساس لتحديد الصلاحية، فهناك أدوية تفسد قبل انتهاء تواريخ صلاحيتها (مثل أن نجد الدواء السائل ترسّب أسفل الزجاجة وانفصلت فيه المادة المعلّقة عن المحلول).
في المقابل، تشير رضوان إلى أنّ هناك أدوية تنتهي تواريخها لكن تبقى مُحتفظة بفاعليّتها الطبّية والعلاجية، منها غالبية العقاقير الصلبة التي تكون عبارة عن حبوب وكبسولات، وكذلك المراهم. وفي هذا السياق يجب التوضيح أنّ لكل صنف دوائي - حتى لو كان مُستلزمًا طبّيًا وليس دواءً يتم تناوله - تعاملًا خاصًا فيما يتعلّق بحالته الفيزيائية وإمكانية السماح باستخدامه.

كيف نُحدّد صلاحية الدواء؟
تُجيب الصيدلانية عن هذا التساؤل بالقول: "قد نسمح باستخدام أدوية رغم مرور تاريخ انتهاء صلاحيتها، لكن أيضًا هناك أدوية لا يُمكن أن نستخدمها مع المرضى أو نُوصي بها الفِرق الطبيّة، حتى لو كانت حالة الدواء جيّدة ولا توجد مؤشرات بصرية أو كيميائية على تلفه". وأضافت أنّه إذا أردنا تصنيف هذه العلاجات وفق هيئتها ونوعها، بين حبوب، وأشربة، وقطرات، ومراهم، وحُقَن، ومحاليل، ومُستلزمات طبية، يُمكن تحديد (المسموح/ غير المسموح) استخدامه من كل صنف، كالتالي:
● المسموح غالبًا: الأدوية الصلبة كالحبوب والكبسولات - الأشربة - المراهم - المستلزمات الطبية (الشاش، الكفوف المعقّمة، خيوط الجراحة، القطن، السرنجات، الضمادات بأنواعها).
● الممنوع قطعًا: قطرات العيون - الحُقن - المحاليل الوريدية - الأدوية الهرمونيّة وأدوية القلب مثل الأدرينالين، والإنسولين، والنيتروجليسرين، والبِنج… وغيرها، وأيّ أدوية أخرى مُنقِذة للحياة تُعطى عبر الوريد مباشرة.
المسموح (يخضع دائمًا لمعيار الحالة الفيزيائية والخلوّ من مؤشرات التلف الكيميائي)، بحسب الصيدلانية منى رضوان.
تنبيه: هذه المقالة ليست دعوة لاستخدام الدواء منتهي الصلاحية في الظروف العادية، بل هو "بروتوكول نجاة" استثنائي في ظروف الطوارئ وانعدام البدائل.
ونبّهت الصيدلانية رضوان إلى أنّ "الأصل في التعامل مع الأدوية منتهية الصلاحية هو ألّا يتم استخدامها إلّا في الظروف القاهرة وانعدام البدائل"، لافتةً إلى وجود فرق بين تاريخ صلاحية الدواء قبل فتحه، وتاريخ صلاحيته بعد الفتح، نظرًا إلى أن فتح العبوة/ الزجاجة/ شريط الدواء يُغيّر من البيئة الفيزيائية التي كان محفوظًا فيها، وبالتالي يتّخذ فورًا بعد الفتح تاريخًا مختلفًا أقصر بكثير؛ فمثلًا صلاحية المضادات الحيوية بعد الفتح أسبوع واحد فقط، وقطرات العيون من أسبوع إلى شهر. مشيرةً إلى أنّ "كلّ هذه التواريخ والتعليمات مُسجّلة على العبوة/ زجاجة الدواء، وفي النشرة الطبّية الداخلية التي تكون مرفقة معه، وفي حالة عدم وجود تاريخ أو نشرة، من المهم جدًا مراجعة الصيدلي أو الطبيب".

مخاطر تجاوُز تاريخ الصلاحية
من المهم معرفة أن الأدوية الصلبة (مثل الأقراص والكبسولات) في كثير من الحالات والأصناف تظلّ صالحة، إلّا أن المخاطر تظلّ قائمة وحقيقية ولا يمكن تجاهلها في العمل الميداني، فالتحلل الكيميائي للدواء بمرور الوقت يفقده فاعليته، وقد ينتج عنه ظهور نواتج تحلّل داخله، وهي عبارة عن مواد قد تكون سامة للجهاز الكلوي أو الكبدي، أو مُسبِّبة لردود فِعل تحسّسية حادة، وفي أحيان تكون قاتلة. ويسري الأمر على أصناف الأدوية التي يُمنع منعًا قاطعًا استخدامها بعد انتهاء تاريخ الصلاحية المُدوَّن على العبوة أو الزجاجة، أهمّها: الحقن والمحاليل الوريدية، وأدوية القلب والهرمونات.
هذه المحاذير المهمّة، تُفسّرها لنا الصيدلانية منى رضوان بالقول إنّ "أخطر ما في الأمر هو ما يتعلّق بالأدوية الحيويّة، والمنقذة للحياة؛ ففي حالات الطوارئ، قد يعني استخدام دواءٍ فقد جزءًا من قوّته الحيوية فارقًا بين الحياة والموت، ويُمكن أن يؤدّي استخدام جرعة غير كافية من المضادات الحيوية (أو بفاعلية منخفضة نتيجة تجاوز تاريخ الصلاحية) إلى نشوء "بكتيريا مقاومة للأدوية" تجعل أيّ علاج لاحق يتم إعطاؤه للمريض عديم الجدوى".

حدود الاستخدام الآمن في حالات الطوارئ
في حالات الطوارئ، تفرض الضرورة القصوى نفسها كقاعدة فوق القواعد العلمية التقليدية، ومنه أن يضطر الكادر الطبي أو الأهالي للاختيار بين استخدام دواء مُنتهي الصلاحية أو ترك المريض بلا علاج، وهنا تحديدًا يبرز مفهوم "تمديد فترة الصلاحية - SLEP"، التي تُطبَّق في الأزمات. لكن هذا التمديد ليس عشوائيًا، ويخضع لبروتوكولات دقيقة، ارتكازًا على: تاريخ الصلاحية، والحالة الفيزيائية للدواء.
وتُوضّح لنا الصيدلانية رضوان، انطلاقًا من أنّ الرطوبة والحرارة العالية في بيئتنا العربية هما العدو الأول للدواء، فإنّ "الدواء الذي يتعرض لتقلّبات حرارية قد يفسد قبل انتهاء تاريخ صلاحيته بمدّة طويلة، فيما يُمكن أن يبقى دواءٌ مخزّنٌ في مكان بارد وجاف فعّالًا لسنواتٍ إضافية".
وتفصّل لنا الصيدلانية - في حال اضطررنا لاستخدام دواء مُنتهي الصلاحية - السمات والمؤشرات البصرية التي تدل على فساد الدواء، ويجب أن ينتبه لها الشخص العادي قبل استخدامه، وتشمل التالي:
في الأدوية الصلبة كالحبوب والكبسولات: نفحص شكل حبة الدواء، ويجب أن تكون بهيئتها الطبيعية المعروفة، بدون (تفتّت، تحلّل، انتفاخ)، وبدون أيّ تغيير في اللون أو الرائحة، ويجب أن تكون جميع الحبوب في شريط/ عبوة الدواء بالحالة نفسها، بمعنى أنه إذا بدت حبة واحدة عليها علامات التلف، يجب التخلّص من باقي الشريط.
في الأشربة الدوائية: نفحص اللون، والرائحة، ودرجة التعكّر والترسيب والقوام، ويجب ألّا يكون هناك أيّ تغيّر في هذه المعايير.
المراهم: وأهم علامة تُدلّل على فساد المراهم الطبية هي انحلال السائل عن باقي المكونات الصلبة للمرهم، وفقدانه قوامه "الكريمي"، وهو ما يُسمّيه الناس بـ"الزلل"، فإذا خرج سائل أو زيت من المرهم بعد فتحه مباشرة يكون قد فسد.
في مناطق النزاعات وانهيار منظومة الصحة، تواجه الفِرَق الطبية والأهالي واقعًا يصعُب فيه حفظ الدواء في ظروف مناسبة، ما الحل؟

صلاحية الدواء وحفظه في مناطق النزاع
في مناطق الأزمات، تصبح إدارة المخزون الدوائي تحديًا جادًا، سواءً للمسؤولين في الهيئات الصحيّة ومُقدّمي الرعاية، أو للأهالي، فالمطلوب هو اتّباع كل التعليمات والتوجيهات التي تضمن بقاء الأدوية صالحة للاستخدام لأطول فترة زمنية ممكنة، ويمكن تحقيق هذا بالدرجة الأولى من خلال ضمان التخزين السليم.
تُذكّر الصيدلانية منى رضوان بأنّ محدودية الوصول إلى الأدوية والمراكز الصحيّة في حالات الطوارئ، كالحرب والنزاعات، تدفعنا إلى الاهتمام والتركيز بالدرجة القصوى في ظروف الحفظ والتخزين، للحفاظ على المتوفّر وتقليل الفاقد من الدواء والمستلزمات الطبية، لا سيّما في ظروف النزوح وانهيار المنظومات الصحية، وتواجد الفِرَق الطبية في أزمات وحالات طارئة يُواجهون فيها ارتفاعًا في درجات الحرارة والرطوبة مع عدم توافر إمكانية للتبريد، أو التواجد في مناطق تتعرّض لانبعاثات غازية، وهذه كلّها مُهدّدات ترفع بشكل كبير جدًا احتمالية فساد الأدوية بغض النظر عن تاريخ الصلاحية.
وتمثيلًا على حالات الطوارئ في مناطق النزاع، تُدلّل الصيدلانية إلى العجز الدوائي الحاد الذي يشهده قطاع غزة، في ظلّ انهيار شامل تجاوز 90% في عموم المنظومة الطبية، ووصول معدّلات العجز في الأدوية لغالبية الأصناف إلى 60%، وفي بعض الأصناف إلى 90%، وأصناف أخرى بات رصيدها في مخازن وزارة الصحة والمؤسسات المحلية والدولية العاملة في القطاع الصحي بغزة صفريًا. ويُماثل هذه البيئة العديد من المناطق التي تشهد ظروفًا إنسانية وأمنيّة غير مستقرة.
تقول رضوان في هذه الحالة: "لا يكون أمام الفرق الطبية والكوادر الصحية إلّا محاولة إيجاد وتهيئة البيئة الأمثل - بالقدر المُستطاع - لحفظ الدواء، فعلى سبيل المثال، في حالة عدم توافر ثلاجة، نبحث عن أبرد منطقة في المكان الذي نتواجد فيه لحفظه، بعيدًا عن الحرارة والإضاءة". مشيرةً إلى أن هذه المعدلات المرتفعة من العجز الدوائي دفعت الأطباء والناس إلى تعاطي أدوية منتهية الصلاحية، ويُعدّ هذا مخاطرة كبيرة جدًا، لكن لم تكن هناك خيارات أو بدائل آمنة متاحة.
وتختم الصيدلانية منى رضوان ببعض الأعراض والعلامات الحيوية التي إن ظهرت على المريض "مباشرةً" بعد تناوله دواءً منتهي الصلاحية، أو مشكوك في صلاحيته، تكون مؤشرًا على أن الدواء فاسد، وتشمل: الاضطراب الهضمي (قيء - إسهال)، وظهور الحساسية على الجلد، والخمول أو الدوار غير المبرّر، والإغماء، والصداع الشديد والمفاجئ.