عندما وضعت آيات فيصل (25 عامًا) توقيعها على ورقة "الإبراء"، كانت تتخلى عن مهرها المؤجل ونفقتها وحقوقها المالية المثبتة في أوراق رسمية، لتسدل الستار على زواج صورِي في بقعة تشهد كل أشكال الموت. الحرب التي دمرت منازل غزة ومحقت مصادر العيش، تسللت إلى أدق تفاصيل الغرف المغلقة، دافعةً النساء للتنازل عن كامل حقوقهن مقابل حريتهن.
تقول آيات: "قرار الإبراء لم يكن وليد لحظة عابرة، إذ جاء نتيجة أشهر طويلة من الخلافات القاسية التي تضاعفت مع تجربة النزوح والضغوط النفسية والاقتصادية الرهيبة التي فرضتها الحرب". وتوضح أن استمرارها في تلك العلاقة كان بالنسبة إليها أكثر كلفة وأشد ثقلاً من خسارة المهر والمؤخر والنفقة.
وتضيف فيصل: “لم أعد أفكر في الحقوق المالية بقدر ما كان يشغلني أن أعيش أنا وأطفالي في مكان نلمس فيه الأمان والاستقرار. الحرب غيّرت أولوياتنا تمامًا، وأصبح الهدوء النفسي بالنسبة لي أهم من أي تعويض مادي مهما كان”.

قصة آيات واحدة من آلاف القصص لنساء أخريات وجدن أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مرّ: خوض نزاعات قضائية طويلة، أو التنازل عن كل شيء للخلاص.
بعد عشرة أعوام من الزواج، لم تعد آية محمد (30 عامًا) ترى أن انتظار الحلول سيتيح تغيير شيء من واقعها الصعب. فمع تحملها مسؤولية أربعة أطفال، وتفاقم الأعباء المعيشية اليومية، شعرت أن الخلافات التي كانت قائمة قبل الحرب غدت أكثر تعقيدًا، وأن استمرار الحياة الزوجية بات يستنزفها نفسيًا وجسديًا بشكل كامل.
تروي: "الحرب زادت الضغوط داخل الأسرة، في وقت أصبحت فيه الاحتياجات الأساسية نفسها صعبة المنال".
وتتابع بأنّ الدخول في إجراءات قضائية طويلة ومضنية للمطالبة بحقوقها الشرعية لم يعد خيارًا واقعيًا إطلاقًا.
وتستطرد: “تنازلت عن كل شيء، لأن الوصول إلى أي حق في هذه الظروف صار أمرًا بالغ الصعوبة. كنت أريد فقط أن أرتاح، وأن أبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل ما عشته في تلك الفترة”.

أما سعاد سليمان (22 عامًا)، فلم يستمر زواجها سوى خمسة أشهر فقط. الخلافات المتكررة حول السكن وظروف الحياة القاسية دفعتها إلى مغادرة منزل الزوجية لمدة شهرين كاملين، قبل أن تحسم قرارها بإنهاء العلاقة نهائيًا عبر الإبراء.
وتقول سعاد إن عودتها إلى الحياة الزوجية لم تكن ممكنة بعد اتساع رقعة الخلافات، ورغم قصر مدة الزواج وعدم وجود أطفال، فضّلت إنهاء العلاقة فورًا على الاستمرار فيها.
وتضيف: “التنازل عن حقوقي لم يكن أمرًا سهلاً على الإطلاق، لكنني شعرت أن إنهاء الخلافات وفتح صفحة جديدة أكثر أهمية من التمسك بحقوق قد أستغرق سنوات طويلة للحصول عليها، بينما كنت أرغب في بدء حياتي من جديد بأسرع وقت”.
تتقاطع هذه الشهادات عند نقطة جوهرية واحدة؛ فالإبراء بالنسبة لهؤلاء النساء لم يكن مجرد إجراء قانوني عابر، إنما خيارًا حتميًا اتخذنه بعد أن ضاقت أمامهن كافة البدائل. وبين الرغبة في الحفاظ على الحقوق المادية، والحاجة الملحة لإنهاء علاقة استنزفت طاقاتهن، اختارت كل واحدة منهن الطريق الذي رأته الأقل قسوة، حتى وإن كان ثمنه التنازل المباشر عن حقوق كفلها لها القانون والشريعة.

ولا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية منشورة تحدد بدقة عدد حالات الطلاق التي تمت حصرًا عبر الإبراء في قطاع غزة، إلا أن الارتفاع الحاد في أعداد حالات الطلاق خلال فترة الحرب يعكس حجم التحولات العميقة التي طرأت على العلاقات الأسرية، ويفتح تساؤلات واسعة حول طبيعة هذه الانفصالات، والظروف القاهرة التي دفعت النساء لاختيار التنازل عن حقوقهن مقابل نيل حريتهن.
رغم غياب إحصاءات رسمية تحدد أعداد حالات "الإبراء" بدقة، تسجل المحاكم الشرعية في غزة 4819 حالة طلاق منذ بداية الحرب وحتى 10 أكتوبر 2025 (2017 حالة عام 2024، و2802 حالة عام 2025). يعكس هذا الارتفاع حجم الضغوط المعيشية والنزوح القسري وفقدان الدخل، والتي دفعت النساء للتنازل عن حقوقهن المالية حسمًا لمعاناتهن.
تتضح كثافة الظاهرة في منشور متداول عبر "فيسبوك" وثّق 15 حالة طلاق بالإبراء خلال ساعات داخل إحدى القاعات، حيث خرج أب برفقة ابنته قائلًا: "زغرتي يابا"؛ في دلالة على تحول الطلاق لدى بعض الأسر من خسارة إلى متنفَس ونهاية لضغط طويل.

من الناحية الشرعية والقانونية، يُعد الإبراء أحد أشكال الطلاق البائن مقابل بدل، حيث تتنازل الزوجة بموجبه عن كامل حقوقها المالية أو جزء منها مقابل إنهاء عقد العلاقة الزوجية، ويُشترط أن يتم ذلك برضا الطرفين الكامل.
وأوضح رئيس المحكمة العليا الشرعية، القاضي عمر نوفل، أن الإبراء قد يشمل التنازل عن حقوق مالية متعددة، من بينها المهر المؤجل، ونفقة العدة، والمصاغ الذهبي، والنفقات المتراكمة، وذلك وفق صيغة الاتفاق المبرم بين الزوجين.
وبيّن نوفل أن المحاكم الشرعية تتخذ إجراءات دقيقة تهدف إلى حماية حق المرأة قبل تثبيت الإبراء، من خلال وجوب حضور ولي أمر الزوجة، وشرح طبيعة هذا الإجراء وما يترتب عليه من آثار قانونية وشرعية، للتأكد التام من إدراكها لنتائج هذا التنازل.
وأوضح أن الإبراء لا يمتد إطلاقاً إلى حقوق الأبناء أو مسألة الحضانة، إلا في حال وجود اتفاقات أو تعهدات إضافية بين الطرفين، مشيرًا إلى أن حقوق الأطفال تبقى منفصلة ومحمية بعيداً عن الحقوق الزوجية التي يتم التنازل عنها.

لكن خلف كل ورقة إبراء تُوقّع رسميًا في المحكمة، تقبع ظروف اجتماعية ونفسية واقتصادية مريرة لا تظهر في السجلات الرسمية، وهو ما يجعل فهم هذه الحالات مرتبطًا بما وراء الإجراء القانوني المجرد؛ أي بالأسباب الواقعية التي دفعت النساء إلى اختيار التنازل القسري عن حقوقهن.
تقول المختصة الاجتماعية والنفسية هديل ياغي إن بعض النساء يلجأن إلى الإبراء عندما تصبح الأولوية الكبرى لديهن هي إنهاء حالة طويلة من الاستنزاف النفسي، وليس فقط تحصيل الحقوق المالية.
وتوضح أن الحرب وما رافقها من نزوح مستمر وفقدان لمصادر الدخل وتراجع شبكات الدعم الاجتماعي، جعلت كثيرًا من القرارات الأسرية تُتخذ تحت ضغوط غير طبيعية، حيث تبحث المرأة في المقام الأول عن الأمان والاستقرار قبل التفكير في خوض نزاعات المطالبة بحقوقها.
وتضيف ياغي أن بعض النساء قد يجدن أنفسهن أمام خيارات ضيقة ومحدودة، خصوصًا في ظل صعوبة تحمل إجراءات التقاضي الطويلة والمكلفة، أو عدم القدرة على مواجهة الأعباء المالية والاجتماعية المرتبطة بالنزاع القضائي، ما يدفع بعضهن إلى قبول التنازل الكامل مقابل إنهاء العلاقة بشكل أسرع.
وتشير إلى أن فهم ظاهرة الإبراء في غزة خلال الحرب لا يمكن أن يعتمد حصرًا على الأرقام الصامتة أو الأوراق الرسمية، بل يحتاج إلى التمعن في الظروف المحيطة بكل حالة، لأن القرار الذي يبدو قانونيًا ومكتفيًا بذاته في المحكمة قد يكون في الواقع حاصل سلسلة طويلة من الضغوط والتجارب الإنسانية الصعبة.
في غزة، تجاوز الطلاق الخلافات التقليدية ليتداخل مع أهوال النزوح والضغط المعيشي والنفسي. وبينما يمثّل الإبراء مخرجًا أخيرًا من علاقة استُنزفت، يظل التنازل عن الحقوق قرارً مشوبًا بأسئلة حول مدى حرّيته وسط ظروف لا تترك للنساء بديلًا.