عندما سقط القصف على منزل عائلة أبو حطب في خان يونس جنوب قطاع غزة، لم يقتل أحداً. لكنه أخذ ساقي أحمد (12 عاماً) وبصر والدته. في اليوم التالي، كانا نازحين في خيمة، بدون كرسي متحرك، بدون دواء، بدون صوت.
عند تقفي أثر أحمد، نجد أنه ليس وحده الذي واجه مصيراً قاسياً مصحوباً بإعاقة دائمة يمتد أثرها مدى الحياة، ولكنه نموذج لنمط يتكرر في كل النزاعات التي تشتعل في الجنوب العالمي.
وبينما يركز العالم على جغرافية الصراعات وأعداد القتلى، هناك شريحة صامتة تدفع ثمناً مضاعفاً، وهم الأشخاص من ذوو الإعاقة، الذين لا يعدو ضحايا حرب فقط، بل كفئة يُعاد إنتاج تهميشها بمنهجية في كل صراع، من غزة إلى الخرطوم، ومن بيروت إلى صنعاء.
عند تفنيد التقرير الصادر عن مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية بعنوان: "سرديات الحرب والتحرر"، وجدنا أن الرقم المعلن عن 32 ألف إعاقة جديدة في قطاع غزة وحدها هو مجرد غيض من فيض. فبالتقصي في منهجية العدّ، تبين أن هذا الرقم يستند إلى عينات محدودة في مناطق معينة، بينما أكد مصطفى عابد، الباحث في شؤون الإعاقة بغزة، لنا في لقاء منفصل أن "الأرقام الحقيقية قد تكون ثلاثة أضعاف، لكن غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة يحول دون حصرها".
من خلال مراجعة وثائق المنظمات الدولية، عثرنا على اعترافات ضمنية بأن معظم الدول العربية تفتقر إلى سجلات إلكترونية موحدة للإعاقة، مما يجعل أي تدخل إنساني في أوقات الحرب أقرب إلى التخمين منه إلى التخطيط المدروس.

ففي السودان مثلاً، أحصت إحدى المنظمات نحو 500 نازح من ذوي الإعاقة السمعية فروا إلى مصر، وهم يواجهون صعوبات هائلة في التواصل لأن لا أحد يتحدث بلغة الإشارة. أما ذوو الإعاقة الذهنية، وهم فقراء بالأساس، فقد ظل كثيرون منهم في مناطق الحرب لأن لا مدارس دامجة تنقلهم، ولا مراكز إيواء مؤهلة تستقبلهم.
وحلل باحثون فلسطينيون وعرب، هم فراس جابر وحلا علي، أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة في 14 دولة من الجنوب العالمي، عبر سلسلة لقاءات امتدت على مدار عامين.
وجاءت نتائج الدراسة الصادرة عن المرصد، على نحو مقلق، حيث اعتبرت أن الحرب لا تخلق الإعاقة فحسب، بل تُعمق إقصاءً هيكلياً كان قائماً منذ زمن السلم، وتجعل من هذه الفئة أكثر الفئات عرضة لانتهاك الحقوق في السلم والحرب على حد سواء.
بالنسبة لليمن، وبسبب الحرب، فتوقف التوظيف الحكومي الذي كان يشكل ممراً أساسياً للأشخاص ذوي الإعاقة للاندماج في سوق العمل، وتركت المساعدات الإنسانية توزع بشكل عشوائي، بحيث تذهب لمن يصل أولاً إلى نقاط التوزيع، لا لمن هم في أمس الحاجة إليها.
وفي لبنان لم يكن الأمر أحسن حالاً، حيث تسببت الحرب مع الاحتلال الإسرائيلي في نزوح أكثر من مليون شخص من الجنوب والبقاع، ومع انهيار قيمة العملة اللبنانية التي فقدت أكثر من 3000% من قيمتها، تراجعت خدمات جمعيات الإعاقة بنسبة تصل إلى 90%، وتوقفت الأنشطة الثقافية والرياضية وجمع التبرعات، بينما غابت الدولة بالكامل عن أداء دورها.

الجزء الثالث: الفجوة بين القوانين والواقع
تبدو الصورة أوضح عندما ننظر إلى مدى الالتزام بالتشريعيات، حيث يذكر التقرير أن معظم الدول العربية وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لكن هذا التوقيع لم يترجم إلى واقع ملموس.
في مصر، أكدت إحدى المشاركات أن الأشخاص ذوي الإعاقة ممنوعون من الترشح للمناصب العامة، ولا يوجد أي تمثيل سياسي لهم. وفي السودان، قالت مشاركة أخرى إنهم "على هامش الحياة، خارج دائرة صنع القرار، ويعانون إقصاءً مضاعفاً من التعليم والصحة والعمل"، ومن العراق جاء التأكيد على أن القوانين الموجودة "غير مطبقة رغم احتوائها على بعض الامتيازات".
أما النساء ذوات الإعاقة، فيعانين تمييزاً مضاعفاً على أساس النوع الاجتماعي والإعاقة معاً، مما يجعلهن الأكثر فقراً، والأقل تعليماً، والأكثر عرضة للعنف، والأبعد عن مراكز القيادة واتخاذ القرار.
ويضيف التقرير أن غياب التنسيق بين المؤسسات والاتحادات المعنية بحقوق الإعاقة على المستوى الوطني والإقليمي يضعف فاعلية العمل الجماعي، ويحول دون بناء ضغط منظم على الحكومات لتنفيذ التزاماتها القانونية والدستورية.
الجزء الرابع: الحرب تُضاعف المعاناة
لا تقتصر معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة خلال النزاعات والحروب على فقدان الأطراف، بل تمتد إلى الحرمان من الخدمات الأساسية التي تزداد حاجتهم إليها في زمن النزاع.
ففي قطاع غزة، يعاني الأشخاص ذوو الإعاقة من نقص حاد في أدوات النظافة والاحتياجات الصحية، وفقدان الخصوصية داخل خيم النزوح، وتدمير البنية التحتية ومؤسسات تقديم الخدمات، وصعوبة الوصول إلى الإنترنت التي أصبحت شكلاً من أشكال العنف الممارس ضدهم، لأنها تحرمهم من التواصل مع العالم ومن الحصول على الحماية.
أما في لبنان، فقد تسبب تشتت أماكن النزوح وضعف التمويل في عجز مؤسسات الإعاقة عن الاستجابة للاحتياجات المتضاعفة، بينما غابت الحكومة تماماً عن تقديم أي دعم للنازحين بشكل عام، وللأشخاص ذوي الإعاقة بشكل خاص.
وفي السودان، يعاني الأشخاص ذوو الإعاقة من معاناة مضاعفة في مناطق الحرب، إذ لا يتم إجلاؤهم إلى مناطق آمنة لأنهم ليسوا أولوية، وهم الأقل وصولاً إلى الحقوق المختلفة، وكثير منهم لجأ إلى التسول بسبب تردي أوضاعهم المعيشية، خاصة مع الزيادة الكبيرة في أعداد الإعاقات الحركية الناتجة عن النزاع.
وتتفق جميع المؤسسات المشاركة في التقرير على أن النزاعات والحروب تُعمق التفاوت في الوصول إلى الحقوق بين الدول التي تعاني حروباً وتلك التي تعيش في سلام نسبي. لكنها تتفق أيضاً على أن الدولة مقصرة تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة في كل الأحوال، سواء في حالة السلم أو في حالة الحرب.

الجزء الخامس: لماذا يُنسى ذوو الإعاقة في الحرب؟
يحاول التقرير الإجابة عن سؤال مركزي: هل التهميش الذي يعاني منه الأشخاص ذوو الإعاقة في الحروب هو نتيجة الحرب نفسها، أم أن الحرب تكشف عن تهميش هيكلي كان موجوداً منذ زمن السلم؟
الإجابة التي يخلص إليها التقرير هي كلاهما معاً. فالكثير من الدول العربية تعاني من فجوات هيكلية في حقوق الإعاقة منذ عقود، تعود جذورها إلى التاريخ الاستعماري المشترك الذي أغرقتها في الديون والتبعية الاقتصادية، وحاصرتها بالقواعد العسكرية، وتركتها تعاني من الفقر والبطالة والاقتصاد الهش. هذه الفجوات تتفاقم في زمن الحرب، لكنها ليست وليدة الحرب.
لكن التقرير يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن الحركات التحررية في المنطقة، رغم نضالها المشروع ضد الاستعمار والاحتلال، غالباً ما ركزت على البعد السياسي للتحرر (السيادة والاستقلال) وأهملت البعد الاجتماعي. ونتيجة لذلك، ظلت قضايا الإعاقة خارج السردية الوطنية، ولم يُنظر إليها كجزء من النضال التحرري، بل كملف إنساني أو رعوي منفصل.
هذا، بحسب التقرير، خطأ استراتيجي، لأن التحرر الحقيقي لا يكتمل دون عدالة اجتماعية شاملة، ودون إشراك جميع الفئات، وخصوصاً الأكثر تهميشاً، في صنع القرار وفي رسم المستقبل.

الجزء السادس: نحو تضامن عربي جنوبي
رغم كل هذه التحديات، يرى المشاركون في التقرير أن هناك آفاقاً رحبة للتعاون والشراكة بين منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة في الدول العربية والجنوبية. فهم يتفقون على أن القضايا المشتركة كبيرة وواسعة، وأوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة متشابهة إلى حد كبير رغم تنوع السياقات.
ويدعون إلى بناء استراتيجيات وتحالفات وشبكات قادرة على تعزيز الضغط على الحكومات لتنفيذ التزاماتها القانونية والدستورية، وتوحيد الجهود ضمن أجندة إقليمية مشتركة لقضايا الإعاقة، وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في صنع القرار وتمثيلهم في أي خطوات تتعلق بالعمل الحقوقي، ووضع قضايا الإعاقة في سياق العدالة الاجتماعية والتنمية، وليس كملف للرعاية أو المساعدات فقط، وبناء تضامن عملي ومباشر مع الأشخاص ذوي الإعاقة في فلسطين وغزة، لا يقتصر على التنديد بجرائم الاحتلال، بل يمتد إلى التواصل المباشر وتبادل الخبرات والدعم على الأرض.
ويؤكدون أن التضامن يجب أن يتجاوز الحدود والأوطان والجنس، ليصبح رافعة لحركة إعاقة قوية، مبنية على العمل المشترك وتبادل الخبرات بين الدول التي حققت تقدماً في هذا المجال.
الجزء السابع: ماذا بعد؟
يختتم التقرير برسالة واضحة، إن بناء تنمية عادلة وشاملة هو هدف تحريري بحد ذاته، وممارسة تحررية تسهم في ترسيخ سيادة الشعوب والدول العربية. وهذا يتطلب مشاركة جميع الفئات الاجتماعية، دون إقصاء أو تهميش لأي فئة، وتحديداً الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويؤكد التقرير أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا مجرد ضحايا للحروب، بل هم جزء من الحل، وجزء من سردية التنمية والبناء. وحقهم في العدالة الاجتماعية هو جزء لا يتجزأ من التحرر الوطني والإقليمي.
لكن هذا لا يحدث تلقائياً، بل يحتاج إلى إرادة سياسية، وتخطيط استراتيجي، وتمويل كافٍ، ومشاركة حقيقية للأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في صنع القرار، وليس فقط كمتلقين للخدمات.
التقرير يدعو إلى إنشاء قاعدة بيانات إقليمية للإعاقة، لتوجيه المساعدات والمناصرة والبحث، وإدراج الأشخاص ذوي الإعاقة في مفاوضات وقف إطلاق النار وفي خطط إعادة الإعمار، خاصة في غزة، وبناء تحالفات عربية جنوبية تتجاوز التضامن الخطابي إلى التنسيق العملي والتبادل المعرفي، وتطوير استراتيجية عربية موحدة للأمن الغذائي والصحي والتعليمي والعمل لذوي الإعاقة، وإشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في صنع القرار على كل المستويات.