بينما تراقب آلاف المحطات جودة الهواء في مدن العالم، يعيش مليون نازح في غزة وسط غبار الركام ودخان الحرق المكشوف دون أي بيانات رسمية عما يستنشقونه يوميًا. هل الغياب يعني نقاءً أم أن الحرب محت القدرة على القياس؟

في كل صباح، عندما يستيقظ عبد الله نصر (60 عامًا) في خيمته وسط مخيم للنازحين بقطاع غزة، أول ما يواجهه ليس نقص الماء أو الخبز فقط، بل "رائحة لا تشبه أي شيء عرفه من قبل". يقول الرجل الستيني، الذي نزح من منزله في جباليا قبل عامين: "ليست رائحة مياه صرف ولا دخان حطب عادي. إنها رائحة مركبة: غبار، كيماويات، دخان بلاستيك محترق، وشيء آخر لا أعرف كيف أصفه. أصبحت هذه الرائحة جزءًا من رئتينا".

بينما تصدر منظمة الصحة العالمية وشبكات مثل "IQAir" تقاريرها السنوية عن أكثر مدن العالم تلوثًا، مستندة إلى آلاف المحطات الأرضية المنتشرة في طوكيو ونيودلهي ولوس أنجلوس والقاهرة، يبقى اسم غزة شبه غائب تمامًا عن هذه الخرائط. ليس لأن هواءها أنقى، بل لأن الحرب محت القدرة على القياس.

هذه الفجوة المعرفية تطرح سؤالًا محوريًا: ماذا يعني أن تختفي منطقة بأكملها من خرائط الرصد البيئي العالمي، بينما تعيش واحدة من أكثر الكوارث البيئية صنعًا بالبشر في التاريخ الحديث؟

كيف يُقاس التلوث.. ولماذا تغيب غزة؟

تعتمد التصنيفات العالمية لجودة الهواء على شبكات من محطات رصد أرضية تقيس تركيز الجسيمات الدقيقة، وعلى رأسها PM2.5، وهي جسيمات لا يتجاوز قطرها 2.5 ميكرومتر، قادرة على اختراق الحويصلات الهوائية في الرئتين والوصول إلى مجرى الدم، مسببة أمراض القلب والسرطان والتهابات الجهاز التنفسي المزمنة.

هذه المحطات تتطلب بنية تحتية مستقرة، وكهرباء مستمرة، ومعايرة دورية، وطواقم فنية. في غزة، حيث القصف الإسرائيلي لم يسلم حتى منازل المواطنين، فإن محطات الرصد البيئي - القليلة أصلاً - إما دُمرت أو توقفت عن العمل لعدم توفر الوقود أو قطع الغيار أو الأمان.

يقول المختص البيئي نزار الوحيـدي، الذي عمل سابقًا مع سلطة جودة البيئة الفلسطينية، لـ"آخر قصة": “قبل الحرب، كان لدينا محطات رصد محدودة لكنها تعمل. الآن، لا شيء. لا كهرباء، لا وقود لتشغيلها، ولا وصول آمن للمواقع لصيانتها. نحن نقيّم التلوث في غزة اليوم كما لو كنا نلمس فيلماً أسود بأعين مغمضة”.

أرقام صامتة: 57 مليون طن من الركام

غياب البيانات لا يعني غياب الملوثات. تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة، التي اندلعت في أكتوبر 2023 وما زالت مستمرة حتى الآن (صيف 2026)، خلفت أكثر من 57 مليون طن من الركام والأنقاض، معظمها من الخرسانة المسلحة التي تحتوي على مواد سامة عند تفتتها.

هذا الركام لا يبقى ساكنًا. فمع كل هبوب رياح، أو مع كل عملية إزالة يدوية أو آلية للركام (بدون أي إجراءات حماية)، تتصاعد في الهواء مليارات الجسيمات الدقيقة من غبار السيليكات والمعادن الثقيلة وبقايا الذخائر غير المنفجرة.

إضافة إلى ذلك، تشير سلطة جودة البيئة الفلسطينية إلى أن الانبعاثات الناتجة عن الحرب قدّرت بنحو 33.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وهي كمية تعادل انبعاثات دولة متوسطة الحجم خلال عام كامل، ولكنها تتركز في بقعة لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومترًا مربعًا.

"رئتا ابني تحترقان": معاناة يومية بلا أرقام

في مخيم للنازحين غرب مدينة غزة، تحكي والدة الطفل براء زقوت (4 أعوام) أن ابنها كان يتمتع بصحة جيدة قبل الحرب. اليوم، أصبح زائرًا متكررًا لعيادات الطوارئ. تقول: "منذ أن بدأنا نعيش بين الركام، وبراء يعاني من التهاب صدر كل شهرين. الأطباء يقولون حساسية أو ربو. لكن الحقيقة أن الغبار لا يفارقنا أبدًا. كلما يقترب طفل من كومة ركام، يسعل كأن شيئًا يخنقه."

أما إسماعيل خليل (ستيني نازح)، فيصف الواقع اليومي بقوله: "في أي مدينة في العالم، إذا شممت هذه الروائح، ستغادر فورًا. لكن نحن ليس لدينا مكان نغادر إليه. دخان المولدات، حرق النفايات، غبار المباني المهدومة، ورائحة الصرف الصحي المتسربة... كلها تختلط في هواء واحد. كأننا نتنفس الأزمة نفسها."

ويؤكد الطبيب أحمد حجاج، أخصائي الأمراض الصدرية في مستشفى ميداني بخان يونس، أن التعامل مع هذه الحالات أصبح كفاحًا يوميًا دون أدوات تشخيص مناسبة: “لا نملك حتى جهاز قياس بسيط لتركيز الجسيمات في العيادة. نشخص الأعراض: سعال جاف، ضيق تنفس، حكة في العينين، تفاقم الربو. لكن لا يمكننا ربطها بنسبة محددة من التلوث لأن تلك النسبة غير موجودة في أي تقرير.”

أسباب التلوث في غزة: مولدات، حرق، وأسلحة

المصادر الملوثة للهواء في غزة اليوم ليست سرية، لكن حجمها غير موثق، مولدات الكهرباء البديلة، فمع انقطاع التيار الكهربائي بشكل شبه كامل، يعتمد السكان والمنشآت على مولدات تعمل بالديزل أو البنزين منخفض الجودة، تنبعث منها جسيمات وأكاسيد النيتروجين والكبريت.

بالإضافة إلى حرق النفايات المكشوف، إذ تسبب انهيار خدمات جمع النفايات، تراكمت ملايين الأطنان من النفايات المنزلية والطبية والبلاستيكية، ويتم حرقها في الشوارع وبين الخيام. وأيضًا غبار الركام الملوث لأن انهيار المباني الخرسانية يطلق السيليكات والمعادن الثقيلة (كالرصاص والكادميوم) والأسبستوس (في المباني القديمة)، وهي مواد مسرطنة معروفة.

إلى جانب بقايا الذخائر والمتفجرات: القصف الإسرائيلي يخلف مركبات كيميائية ناتجة عن انفجارات الذخائر، منها مركبات الفوسفور والكلور وغازات سامة أخرى.

ويوضح المهندس سعيد العكلوك، المختص الميداني في سلطة جودة البيئة الفلسطينية، أن الأمر لا يتعلق فقط بالغبار: "الركام في غزة ليس مجرد حجارة. إنه خليط من بقايا المنازل والمصانع والمختبرات والمستشفيات التي قُصفت. نحن نتحدث عن مواد كيميائية خطرة دفنت ثم انبعثت مجددًا في الهواء".

الأقمار الصناعية: أداة مكملة وليست بديلة

في غياب المحطات الأرضية، تلجأ وكالات الأمم المتحدة وبعض مراكز الأبحاث إلى صور الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد لتقدير حجم الغبار والملوثات واسعة النطاق. هذه التقنيات تستطيع رصد الأعمدة الضخمة من الدخان أو الغبار العابر للحدود، لكنها لا تستطيع قياس تركيز PM2.5 على مستوى أنف الإنسان في أحد شوارع النصيرات أو داخل خيمة في المواصي.

يقول الوحيـدي: "الأقمار الصناعية ترى الصورة الكبيرة: غبار من هنا، حرق من هناك. لكنها لا تجيب على السؤال الأهم: ماذا يتنفس طفل في الرابعة من عمره وهو جالس على كومة ركام أمام بيته المدمر؟ هناك فجوة بين رؤية الفضاء ومعاناة الرئة، وهذه الفجوة لا تسدها إلا محطات أرضية."

غياب البيانات = غياب الحقوق

يرى مراقبون دوليون أن غياب غزة عن خرائط الرصد البيئي العالمي ليس مجرد عيب تقني، بل هو شكل من أشكال التعتيم على الجرائم البيئية. فبدون بيانات موثقة، يصعب مقاضاة إسرائيل بتهمة "الإبادة البيئية" أو "الاستخدام المتعمد للأسلحة الملوثة للبيئة"، كما يصعب على المنظمات الإنسانية توجيه مساعداتها لمعالجة الأمراض المرتبطة بالتلوث.

وتشير تقارير غير منشورة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (حصلت آخر قصة على ملخص لها) إلى أن "الحرب على غزة ربما تكون قد خلقت واحدة من أكبر بقع التلوث الهوائي المركزة في العالم منذ حرب فيتنام، لكن غياب بيانات الرصد الأرضي يجعل هذا الادعاء غير قابل للإثبات أو النفي علميًا."

يختتم عبد الله نصر حديثه بنبرة مريرة: “في الأخبار، يتحدثون عن تلوث بكين ونيودلهي، وينشرون أرقامًا ويقارنون. أما نحن، فكأننا لا نتنفس هواءً لأن أحدًا لا يقيسه. لكن صدقوني، رئتنا تقيسه كل يوم. والقياس يقول: هذا هواء الموت”.