في حي الشيخ عجلين غرب مدينة غزة، حيث تحولت المنازل إلى ركام وأشجار برية تنبت بين الأنقاض، تقف جنة أبو هربيد أمام جدار متربٍ لم يبق منه سوى جزء صامد، لتروي عبر فرشاتها قصة جيل كامل عاش النزوح والفقد وانهيار الأحلام.

بينما لم يبق من منزل عائلتها سوى أجزاء متناثرة، اختارت الشابة الفلسطينية أن تستخدم أحد الجدران المتبقية كلوحة تجسد تجربة النزوح والحياة في الخيام التي يعيشها آلاف الفلسطينيين، مستخدمة فرشاتها وألوانها المتاحة لرسم تفاصيل الحياة اليومية التي فرضتها الحرب على سكان القطاع: فرن طهي من الطين، كيس مساعدات غذائية، ورموز تشير إلى رحلة النزوح.

هذه اللوحة ليست مجرد عمل فني، بل وثيقة حية تختصر واقعًا إنسانيًا مأساويًا. فوفقًا لمعطيات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تسببت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في نزوح نحو مليوني فلسطيني من أصل نحو 2.2 مليون كانوا يعيشون في القطاع عشية الحرب . ويعيش كثير من هؤلاء النازحين اليوم في خيام ومراكز إيواء ومدارس تحولت إلى ملاجئ، بعد أن دمرت الحرب أكثر من 102 ألف مبنى بشكل كلي وألحقت أضرارًا بأكثر من 330 ألف وحدة سكنية .

معاناة مضاعفة: فقدان الوالد وتعليم متوقف

تقول جنة في حديثها مع مراسل أخبار الأمم المتحدة، إن العودة إلى الرسم جاءت بعد فترة انقطاع فرضتها ظروف الحرب: "كان لدي طاقة وشغف لأن أعود وأرسم من جديد. بدأت بالرسم وأحببت أن أعبر عن المعاناة التي نعيشها خلال فترة الحرب، خاصة أنني فقدت والدي في حروب سابقة على غزة، وهذا أثر علينا بشكل كبير".

لكن خسارة جنة لا تقتصر على والدها. فالحرب، كما تصف، دمرت أكثر من البيوت: "الحرب دمرت أحلامنا ومستقبلنا. لم تعد هناك جامعات، ولا توجد دراسة أو تعليم، وحتى أدوات الرسم لا نستطيع توفيرها، رغم الموهبة التي لدينا ونريد أن نوصلها للعالم".

واقع جنة يعكس أزمة تعليمية غير مسبوقة في قطاع غزة. فقد تعرضت 95% من مدارس القطاع للدمار أو الضرر البالغ، حيث لم تعد نحو 500 مدرسة من أصل 564 صالحة للاستخدام . وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 650 ألف طفل في غزة محرومون من حقهم الأساسي في التعليم . والأرقام الأكثر إيلامًا تشير إلى مقتل ما يقارب 18 ألف طالب وطالبة، إضافة إلى 750 معلمًا من مدارس غزة وأكثر من 230 أستاذًا جامعيًا .

في أسفل لوحتها، كتبت جنة عبارة: "الأمل باق"، محولة الجدار المدمر إلى رسالة تحدٍّ في وجه واقع قاسٍ. لكنها تدرك أن الأمل وحده لا يكفي: "أوقات الحرب والخيام التي نعيش فيها صعبة علينا، وأنا أقول إنه لا يزال لدينا أمل. رسالتي للعالم أنه في غزة توجد مواهب، ولدينا 

طاقات إبداعية يجب أن نظهرها لكم".

جنة ليست الوحيدة التي حوّلت الألم إلى لوحة. ففي ظل النقص الحاد في الأدوات الفنية وإغلاق المعابر، لجأ فنانون آخرون في غزة إلى وسائل بديلة لمواصلة الإبداع. استخدمت الشابة الفلسطينية مرح خالد السخام المتراكم على أواني الطهي كبديل عن أقلام الحبر، فيما اتجه الفنان التشكيلي أحمد مهنا إلى استخدام صناديق المساعدات الإنسانية كمساحات للرسم .

هذه الممارسات الإبداعية تؤكد ما تقوله جنة: في غزة مواهب وطاقات إبداعية، رغم الظروف القاسية التي يعيشها القطاع، حيث يبلغ عدد الفلسطينيين في غزة نحو 2.13 مليون نسمة وفق تقديرات نهاية عام 2025 .

وتشير تقديرات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى أن عامين من التصعيد العسكري أعادا التنمية في غزة إلى الوراء بنحو 77 عامًا . وتضيف أرقام OCHA أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا منذ 7 أكتوبر 2023 حتى نهاية أبريل 2026 تجاوز 73 ألفًا و761، بينهم 72 ألفًا و601 في قطاع غزة .

وتقول جنة إن رسالتها لا تقتصر على عرض المعاناة، بل تتعلق أيضًا بإظهار المواهب التي لا تزال موجودة في غزة رغم الحرب. وهي بذلك تعكس روحًا مماثلة لما عبر عنه الشاعر محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" .

في منزل لم يبق منه سوى أجزاء قليلة، وقد نبتت زهور وأعشاب برية بين ركامه، أنهت جنة لوحتها بتوقيعها على الجدار. تقول إن الرسم يمنحها مساحة للتعبير عما يمر به الناس، وللتأكيد أن الحياة في غزة لم تتوقف رغم الدمار.

"اليوم أنا أتحدث في لوحتي عن الأمل، وأنه لا يزال لدينا أمل رغم الظروف التي نعيشها"