لم تكن خسارة المنتخب المصري مجرد نتيجة مباراة بالنسبة لكثيرين في غزة، ولم يكن الحزن الذي خيّم على الوجوه بعد صافرة النهاية حزنًا رياضياً خالصاً، بل كان حزناَ على لحظة فرح نادرة مرّت سريعا في حياة أثقلتها الحرب.
فأهل غزة لم يحزنوا على كرةٍ ضاعت، بل على فرحةٍ كانت نادرة.
في غزة، حيث تتشابه الأيام تحت وطأة القصف والفقد والنزوح، تصبح لحظات الفرح أشبه بومضة ضوء في عتمة طويلة. لا يبحث الناس عن انتصارات كبرى دائمًا، بل عن سبب صغير يجعلهم يبتسمون، وعن مساحة مؤقتة يشعرون فيها أنهم ما زالوا قادرين على الاحتفاء بالحياة.
خلال المباراة، لم تكن أصوات المشجعين في غزة تهتف لكرة القدم وحدها، بل كانت تهتف للحياة نفسها. كانت الأعلام المصرية التي رُفعت في الشوارع والمخيمات تحمل معنى أعمق من التشجيع الرياضي؛ كانت تعبيرا عن محبة شعبين تجمعهما روابط التاريخ والوجدان، وعن رغبة إنسانية في مشاركة الفرح مع من نحب.
وحين انتهت المباراة بالخسارة، شعر كثيرون في غزة بأن نافذة صغيرة من البهجة قد أُغلقت. لم يكن الأمر اعتراضًا على نتيجة رياضية، فالملاعب تعرف الفوز والخسارة، وإنما لأن تلك اللحظات القليلة كانت قد منحت الناس فرصة لالتقاط أنفاسهم بعيدًا عن أخبار الموت والدمار.
ربما لا يدرك العالم حجم قيمة لحظة فرح عابرة في مكان أنهكته الحرب. فهناك، في غزة، قد تصبح مباراة كرة قدم مناسبة يجتمع حولها الناس، ويتبادلون الأحاديث، ويستعيدون شيئًا من حياتهم الطبيعية التي فقدوها.
إن أكثر ما يؤلم في غزة اليوم ليس غياب الانتصارات فقط، بل غياب الأشياء البسيطة التي كان الإنسان يمارس بها حياته: جلسة عائلية هادئة، ضحكة من القلب، احتفال عابر، أو حتى انتظار نتيجة مباراة.
لهذا لم تكن خسارة مصر مجرد خسارة في الملعب. لقد كانت لحظة ذكّرتنا بأن غزة، رغم كل ما حملته من ألم، ما زالت تبحث عن الفرح، وما زال أهلها يتشبثون بأي نافذة تطل بهم على الحياة.
سيأتي يوم لا تكون فيه أفراح غزة قصيرة، ولا معلقة بصافرة حكم، ولا مهددة بأن تنطفئ سريعا. سيأتي يوم تفرح فيه غزة كما يليق بها.