مع تزايد موجات الحر في المنطقة، والتي ترتبط علميًا بتغير المناخ، تتفاقم أزمة المياه في قطاع غزة، حيث يلتقي ارتفاع درجات الحرارة مع انهيار المنظومة المائية، ليضاعف من هشاشة حياة مئات آلاف النازحين داخل الخيام ومراكز الإيواء. 

من هؤلاء هبة بدير (36 عامًا)، المقيمة في خيمة من البلاستيك، حيث تواجه واقعًا يوميًا قاسيًا يجمع بين موجة حر شديدة ونقص حاد في المياه، ما يضعها أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في حماية أطفالها وترشيد الكميات المحدودة المتبقية داخل خزان بلاستيكي صغير، في ظل غياب مصدر دائم ومضمون للمياه.

وتوضح بدير أن الحصول على المياه أصبح أزمة يومية هذا الصيف، مع تزايد الحاجة إليها للشرب والاستحمام والحفاظ على النظافة الشخصية في مواجهة الأجواء الحارة، تقول: "الحصول على المياه صار هاجسًا يطاردنا كل يوم. الأطفال يحتاجون إلى الشرب باستمرار بسبب الحرارة الحارقة، ونحن بحاجة للمياه للنظافة وتفادي الأمراض التي تتربص بنا، لكن الكميات المتوفرة شحيحة ومحدودة، ولا تكفي أحيانًا لتلبية احتياجاتنا الأساسية".

على عتبة الخيمة وضعت بدير زجاجة ماء صغيرة في بقعة ظل خصصتها بالكاد لأصغر أطفالها، بينما تفرض قيودًا على بقية الأطفال، تمنعهم من الاقتراب من الخزان إلا في حالات الضرورة القصوى، في محاولة لإطالة أمد الكمية المتبقية، تتابع بنبرة يملؤها الخوف: "أكثر ما يمزق قلبي هو أطفالي، فهم لا يتوقفون عن طلب المياه بسبب الحر الشديد داخل الخيمة، وأحيانًا نضطر لتقليل الاستهلاك عنوة والمحافظة على ما لدينا لأطول فترة ممكنة، خوفًا من نفاد المياه تمامًا قبل وصول كمية جديدة".

كل موجة حر جديدة لا تعني فقط ارتفاعًا في درجات الحرارة، وإنما ضغطًا إضافيًا على كميات المياه الشحيحة أصلًا، ما يجعل إدارة الاحتياجات اليومية أكثر تعقيدًا داخل الخيام ومراكز النزوح.

ويشير خبراء المناخ إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الطلب على المياه بشكل طبيعي، ما يفاقم حالة "الإجهاد المائي" في بيئات تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية، خصوصًا في مناطق هشة مثل قطاع غزة التي تتعرض لتأثيرات مضاعفة نتيجة تداخل موجات الحر مع انهيار الخدمات الأساسية.

في ظروفٍ مُشابهة، يجد أحمد إسحاق (40 عامًا) نفسه مرغمًا على تأمين ماء لعائلته منذ ساعات الصباح الأولى. فداخل مركز النزوح المكتظ الذي يأويه وسط مدينة غزة، لا تقف قسوة الصيف عند حدود الاختناق الحراري، لكنها تتحول إلى سباق يومي محموم مع الزمن لتفادي جفاف الخزانات بالكامل.

يصف إسحاق هذا الوضع قائلاً: "تتضاعف احتياجات أسرتي للمياه في الأيام الحارة بشكل كبير. الأطفال يطلبون الشرب بلا توقف، والحفاظ على الحد الأدنى من النظافة الشخصية في ظل هذا الاكتظاظ الرهيب والظروف المعيشية الصعبة يصبح معركة يومية لحمايتهم من الأمراض".

ويشرح كيف يفرض نقص المياه في بيئة النزوح القاسية على العائلات تقليص استخداماتها الأساسية، ما يجعل التكيف مع حرارة الصيف أمرًا بالغ الصعوبة، ويزيد من المخاوف من الأمراض المرتبطة بالإجهاد الحراري. يتابع بنبرة مثقلة بالهموم: "نحتاج إلى المياه على مدار الساعة لمواجهة هذا الحر الشديد، لكن ما يصلنا شحيح ولا يغطي العجز. نعيش في دوامة تنظيم الاستهلاك بالقطّارة خشية أن تنفد الكمية قبل موعد التزويد القادم، وهو موعد غير مضمون دائمًا ومحفوف بالاحتمالات".

ويضيف: "لا يرهقنا ليس الحر نفسه بقدر التفكير المستمر والعبء اليومي: من أين سنأتي بالماء غداً؟ في الصيف تصبح الحاجة إلى الماء مسألة مُلحة للغاية، لكن الحصول عليه يزداد صعوبة، ليصيب هذا الشح كل تفاصيل حياتنا بالشلل، ويزيد قلقي على أطفالي الذين يفتك بهم العطش والإرهاق طوال النهار".

ومع الارتفاع الحاد والمستمر في درجات الحرارة بمدينة غزة، اضطر محمد أبو موسى (45 عامًا) للعب دور "المراقب الحذر" داخل أسرته؛ يتابع يوميًا مستوى المياه في الخزان بعينين يملؤهما التوجس، خوفًا من أن ينفد المخزون فجأة ويتركهم في العراء قبل وصول شاحنة التوزيع القادمة. بالنسبة لمحمد، الصيف ليس مجرد فصل ترتفع فيه درجات الحرارة في التقويم، بل حالة مستمرة ومزمنة من قلق تأمين المياه.

يقول محمد واصفًا المشهد: "في هذا الحر اللاهب، كل تفصيل في حياتنا يتنفس بالماء ويطلبه؛ سواء للشرب أو النظافة أو محاولات تبريد الأجساد المنهكة. لكننا نعيش في معادلة مقلوبة، فالكميات المتاحة شحيحة ولا تصل بانتظام، ولا تلبي حتى الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية لأسرة تقاوم الصيف في ظروف استثنائية".

ويتابع مستنكرًا الواقع: "المشكلة الكبرى هي التناقض الصارخ؛ الحرّ يتصاعد ويزيد حاجتنا للماء، لكن مصادر المياه لا تزيد بل تنكمش وتتقلص! هذا التناقض يحوّل تفاصيلنا البسيطة إلى عبء ثقيل، ويجبرنا على حساب كل قطرة وكأنها الأخيرة في حياتنا".

خلف هذه المعاناة اليومية، والقصص التي تعكس صعوبة الحصول على المياه، تُظهر الأرقام الرسمية حجم الكارثة الإنسانية والبنيوية التي أصابت قطاع غزة، وأثرت بشكل مباشر على أساسيات الحياة فيه. 

فبحسب بيانات بلدية غزة ووكالة الأونروا، كانت المنظومة المائية في القطاع تعتمد على 284 بئرًا تغذّي مختلف المناطق، إلا أن 262 بئرًا منها تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، فيما لم يتبقَّ سوى 22 بئرًا تعمل حاليًا. وتعمل هذه الآبار المتبقية بقدرة تشغيلية لا تتجاوز 20%، نتيجة نقص الصيانة وغياب الوقود ومواد التشغيل الأساسية، ما أدى إلى تراجعٍ حاد في كفاءة تزويد السكان بالمياه.

يظهر تحليل أجرته "آخر قصة"، أنّ القدرة التشغيلية الإجمالية للآبار المتبقية في قطاع غزة تُقدَّر بضرب نسبة الآبار العاملة (22 من 284) في نسبة التشغيل المتاحة (20%)، ما ينتج عنه أن المنظومة تعمل بما يقارب 1.6% من قدرتها الأصلية فقط.

في قراءته لهذا المشهد الصعب، يؤكد المختص البيئي نزار الوحيدي أنّ أزمة المياه تتفاقم بشكل مرعب خلال فصل الصيف، مع ازدياد الطلب الطبيعي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، في وقت تعاني فيه المنظومة المائية من أضرار واسعة ونقص حاد في الوقود والكهرباء اللازمين لتشغيل الآبار ومحطات الضخ والتحلية.

ويوضح الوحيدي أن الحرب وما خلفته من دمار واسع في البنية التحتية المائية جعلت الحصول على المياه الآمنة بمثابة تحدٍ إعجازي يومي لمئات آلاف الأسر، خصوصاً في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح التي تغص بالتجمعات البشرية المكتظة. 

وبالإضافة للجانب المعيشي واليومي تُهدِّد ندرة المياه الصحة العامة بشكلٍ مباشر، مع ارتفاع مخاطر الإصابة بالجفاف، والإجهاد الحراري، والأمراض المرتبطة بسوء النظافة، واضطرار النازحين لاستخدام مياه غير آمنة ملوثة، وهي أخطار تتربص خصيصاً بالأطفال وكبار السن.

من جانبه، يُحذر الطبيب العام غسان مطر من تداعيات صحية متسارعة ومتصاعدة لأزمة المياه خلال أشهر الصيف؛ مؤكداً أن تزامن ارتفاع الحرارة الحاد مع شح المياه الشديد يضاعف بشكل دراماتيكي مخاطر الجفاف والإجهاد الحراري، لا سيما لدى الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في المجتمع.

وينبه الدكتور مطر إلى أن نقص المياه يكبّل أيدي الأسر ويحد من قدرتها على الحفاظ على النظافة الشخصية والعامة، مما يفتح الباب على مصراعيه لارتفاع احتمالات انتشار الأمراض الجلدية والأوبئة المعوية والهضمية، خاصة في مراكز الإيواء والمناطق المكتظة التي تفتقر للمقومات الصحية.

ويضيف أن الحاجة الفسيولوجية للمياه تزداد طردياً خلال موجات الحر، لكن صعوبة الحصول عليها تدفع الكثير من الأسر المكرهة إلى تقنين الاستهلاك إلى مستويات خطيرة، مما ينعكس سلباً على الصحة العامة للأجساد المنهكة. 

ويختم مطر مؤكدًا أن استمرار هذه الأزمة خلال الصيف يمثل تحديًا صحيًا حقيقيًا ومصيريًا في ظلّ الظروف المعيشية القاسية والاكتظاظ السكاني، داعيًا إلى ضرورة تعزيز الجهود الدولية والمحلية لضمان وصول المياه الآمنة والحدّ من هذه المخاطر الصحية الوشيكة.

مع مغيب الشمس وتراجع الحرارة، تعود هبة بدير لتفقد خزانها البلاستيكي الصغير قبل النوم للمرة الأخيرة. في خيمتها، لا يرتبط القلق بسؤال "متى تنخفض درجات الحرارة؟"، وإنما يصبح السؤال الأقرب إلى واقعها اليومي: كم تبقى من الماء حتى صباح اليوم التالي؟

في غزة، لم تعد موجات الحر مجرد طقس صيفي، وإنما جزء من واقع مناخي أكثر قسوة يتداخل مع انهيار البنية المائية، ليحوّل كل ارتفاع في درجات الحرارة إلى اختبار يومي لقدرة السكان على البقاء.