بعد انقطاع دام 22 شهراً -بدأ قبل أيام من اجتياح إسرائيل لمعبر رفح وإغلاقه في مايو 2024- كان الشاب صبحي زنون أول المستقبلين لخطيبته رباب بربخ لدى عودتها إلى غزة. وهي ضمن شريحة ضئيلة للغاية من الفلسطينيين الذين تمكنوا من الدخول أو الخروج من القطاع منذ إعادة فتح المعبر بشكل محدود في 2 فبراير/شباط الجاري.

خرجت الحافلة القادمة من مصر من بوابة معبر رفح قبل يومين، وكان ينتظرها صبحي زنون (27 عاماً)، ممسكاً بباقة ورد، يتفقد وجوه الركاب خلف النوافذ باحثاً عن الوجه الذي لم يره منذ ما يقرب من عامين.

عامان ونصف مرّا على خطوبتهما، لكن الأشهر الـ22 الأخيرة كانت الأطول. غادرت رباب بربخ (24 عاماً) غزة في 24 أبريل/نيسان 2024، أي قبل أقل من أسبوعين من اجتياح القوات الإسرائيلية لمعبر رفح في السابع من مايو/أيار 2024 وإغلاقه، تاركة إياها عالقة في الخارج وهو محاصر في الداخل. ما كان يفترض أن يكون انفصالاً مؤقتاً امتد لعامين تقريباً من الانتظار والاشتياق.

"عودتها كانت مجرد حلم بالنسبة لي"، قال صبحي زنون بعد وصول حبيبته. "كنا نتساءل: هل نحن في حلم أم في يقظة؟ كنا فاقدين الأمل، الحلم تحقق بالنسبة لي الآن، ومع ذلك أعود وأسأل رباب: هل نحن في حلم أم في يقظة؟".

هذا الأسبوع، مع احتفال العالم بعيد الحب، تقدم قصة الخطيبين متنفساً نادراً في خضم الدمار والنزوح بغزة، لكنها تسلط الضوء أيضاً على محدودية إعادة فتح المعبر.

فمنذ 2 فبراير/شباط الجاري، عندما سمحت إسرائيل بإعادة فتح معبر رفح بشكل محدود لحركة الأفراد للمرة الأولى منذ مايو/أيار 2024، لم يُسمح سوى لـ213 فلسطينياً بالعودة إلى غزة، وفق المكتب الإعلامي الحكومي. فيما غادر 275 آخرين، معظمهم مرضى ومرافقون يطلبون علاجاً غير متوفر في القطاع المدمر. قبل الحرب، كان يعبر المئات يومياً في كلا الاتجاهين.

لم تكن رباب مريضة ولا مرافقة لمريض. سبب عودتها إلى غزة كان واحداً: "عدت إلى غزة ولا أشكو من شيء – لست مريضة ولا مرافقة مريض – فقط من أجل صبحي. صبحي حلم حياتي، حلم العمر، دعوتي بين السجدتين كانت أن يجمعنا الله، والحمد لله أنني عثرت على صبحي أخيراً".

"أقرب الناس قالوا لي: أنتِ راح تترملي"

تقول رباب إنها واجهت ضغوطاً من المقربين لعدم العودة: "أقرب الناس إليّ قالوا لي: 'أنتِ راح تترملي' (أي ستصبحين أرملة قبل أن تتزوجي). في نظرهم، غزة انتهت. لم تعد هناك حياة. لكن في نظري طالما صبحي موجود، فالأمل موجود، وغزة موجودة. كثيرون دفعوني لأن أتركه وأن أفرط بحلمنا، لكنه اشتراني وكان أباً وأخاً وزوجاً وصديقاً وحبيباً وفياً".

وتضيف: "عشت سنتين كانتا قاسيتين جداً بدون صبحي، أتمنى رؤيته يومياً. ذهبت إلى مصر وسلطنة عمان وإسطنبول، وكنت أدعو ربي يومياً: اللهم اجمعني مع صبحي. كنت أدعو أن أفقد بصري قبل أن أفقده".

"طرقت الباب قبل الحرب بأربعة شهور"

يقول صبحي عن بداية معرفتهما: "طرقت بابها للزواج بالطرق التقليدية قبل الحرب بأربعة شهور، لم تكن هناك معرفة سابقة بيننا. كانت مترددة وكانت تطلب إكمال الدراسة وتحقيق حلمها في التعليم. حين بدأ النزوح من خان يونس إلى رفح، كنت أنا أول مستقبل لها هناك. عندما حان وقت سفرها في أبريل 2024، كانت مترددة، حاولت إقناعها وبالفعل سافرت، ووعدتها بأن أتمسك بحبنا طالما بقيت حياً".

لحظات الرعب خلال الانقطاع

خلال فترة الفراق الطويلة، عاشت رباب لحظات من الرعب عندما انقطع الاتصال بسبب قصف قرب مكان تواجد صبحي. فتقول: "في إحدى المرات قطع الاتصال نتيجة قصف في منطقة محيطة به، فأجريت اتصالات متعددة مع مختلف الأطراف بما فيها المراكز الصحية أبحث عن اسم صبحي، أسألهم: هل وصلكم مصاب أو شهيد من عائلة زنون؟ تلك ربما كانت من أكثر اللحظات صعوبة بالنسبة لي، حيث كانوا يسألوني ما صلة القرابة فأجيبهم 'خطيبي' وهم يندهشون من حجم قلقي على مصيره، كانوا يظنون أنّي فتاة تبحث عن مصير أبيها".

"جبر بعد صبر"

عندما علم صبحي بقرب عودتها مع إعادة فتح المعبر، اتجه إلى بائع الورد واختار باقة وكتب عليها: "جبر بعد صبر". ويقول: "ركضت نحو الباص مستقبلاً والفرحة تفيض من قلبي، وها نحن الآن بصدد إتمام ترتيبات مراسم الزواج".

أما رباب فتقول: "حياتنا كانت متوقفة على المعبر، ولكن الله عز وجل أكرمنا وجمعنا. ربي شاهد على دعواتي. هناك مقولة: من حمد الله كثيراً أعطاه الله أكثر مما يتمنى، ومنذ ذلك الوقت وأنا أحمده وأنا على يقين بأن الله سيجمعني به".

وفي خضم المشاعر، وجهت رباب الشكر لمندوب سفارة فلسطين في مصر الذي ساعد في تسهيل عودتها.

أسماء من وحي الغرام

قبل أن يبدأا حياتهما معاً، اختارت رباب بالفعل أسماء لأطفالهما المستقبليين: "قصة حب راح تكتمل، وإن شاء الله نحكيها لابننا عمار وبنتنا روح. اخترت اسم 'روح' لأنها مأخوذة من روح رباب وصبحي. اخترت أسماء رومانسية وغرام حتى أوثق المشاعر التي بيننا".

ويختتم صبحي بالقول: "رباب نعمة كبيرة بالنسبة لي، ورغم فقدان البيت الذي كنت أعددته، لدي رغبة في إعادة البناء سوياً. ولو جمعت أيَّ كلمات، لم أستطع أن أهديها لها وأوفيها حقها، ولكني مدرك تماماً أن الإخلاص والصدق هما الجسر الذي جمعنا".