في مخيم غرب مدينة غزة، تضطر فاطمة عيسى كل صباح إلى وضع جالونات المياه الخاصة بها بجوار مطبخ خيمتها المكشوف لأشعة الشمس. لم تفعل ذلك عن قصد أو جهل، بل لأنها لا تملك مكانًا آخر، ولا خيارًا ثانيًا. ومع حلول منتصف النهار، تجد الماء داخلها ساخنًا للغاية، فلا يصلح للشرب، فتُخصصه للاستحمام فقط.

تقلب فاطمة الجالون يمنة ويسرة بحثًا عن أي علامات إرشادية، فلا تجد سوى أرقام مبهمة تشير إلى الشركة وتاريخ عام الإنتاج، دون أي دلالات صحية أو تحذيرية. ورغم علمها -بفضل دراستها الفيزياء- بأن البلاستيك تحت أشعة الشمس الحارقة يطلق سمومًا صامتة في الماء، فإن غياب البدائل يحكم عليها بترك الجالونات تحت لظى النهار، وتحت رحمة مناخ لا يرحم.

ليست السيدة عيسى وحدها مَن ترزح تحت وطأة هذا المناخ القاسي. فاليوم، يعيش مئات الآلاف بل ما يقارب 1.9 مليون نازح - أي نحو 90% من سكان القطاع - في خيام بالية لا تحميهم من حرارة الصيف اللافحة، ولا من برد الشتاء القارس، مما يضاعف تعرضهم لمخاطر صحية وبيئية متشابكة تمتد آثارها إلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية.

وسط مناخ متطرف، تتحول الخيام إلى "أفران مغلقة" مع ارتفاع درجات الحرارة فوق 40 درجة مئوية، فيما تغيب أبسط مقومات الحياة: مياه نظيفة، كهرباء، أو حتى ظل يقيهم لهيب الشمس. والأكثر إيلامًا أن هذه الخيام -التي يفترض أن تكون ملاذًا- تتحول إلى مصدر خطر إضافي، فالحرارة تعجل بتفكك البلاستيك وإطلاق سمومه في الماء والغذاء، بينما غياب الصرف الصحي يسمح بتفشي الأمراض الجلدية والتنفسية بين الأطفال.

وليس هذا فحسب، بل إن أكثر من 80% من آبار المياه توقفت عن العمل، واضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة تحت الشمس الحارقة لجلب الماء، الذي غالبًا ما يكون ملوثًا أو غير صالح للشرب. تقول الأمهات: "نقضي أيامنا نصب الماء على رؤوس أطفالنا لتبريدهم، والماء نفسه أصبح سلعة نادرة".

هكذا، من تحت وطأة هذا المناخ المركب -حرق شمس، انهيار اقتصاد، غياب رقابة، وتدمير بنية تحتية- يعيش سكان غزة تحت خطر صامت مضاعف: التسمم البلاستيكي البطيء يتسرب إلى أجسادهم من كل اتجاه، بينما لا يملكون حتى رفاهية السؤال عن البديل الآمن. قصة فاطمة وجالوناتها ليست استثناء، بل هي القاعدة في واقع لم يعد يترك مجالًا لاحتياطات الأمس.

داخل خيمة صغيرة ضاقت بجدرانها القماشية وسط مدينة غزة، يتكرر مشهد يومي مألوف بين يسرا عوض وصغيرها البالغ من العمر عشرة أعوام. يتشبث الطفل بعناد بزجاجته البلاستيكية المفضلة، التي لم تفارقه منذ أكثر من عام ونصف، رافضًا التخلي عنها مقابل كوب زجاجي، ومهما حاولت والدته إقناعه وعرض أضرار البلاستيك على صحته، يبقى الصغير متمسكًا بقنينته القديمة، يرفض مساسها أو استبدالها بأخرى شبيهة.

هذا النقاش اليومي لم يمر بسلام عبر فضاء المخيم؛ إذ واجهت عوض تهكمًا من جاراتها اللواتي اعتبرن مخاوفها نوعًا من "الوسواس" الزائد. بلهجة يستنكرها واقع الحال، يقلن لها: "بعد كل ما تعرضنا له من متفجرات وروائح وتلوث بيئي، هل سندقق في زجاجة بلاستيك؟".

تقف الأم تغسل الزجاجة التي بدت على حوافها آثار التآكل وتغير اللون بفعل أشعة الشمس الحارقة، وتستذكر بأسى حياتها قبل الحرب؛ حيث كانت تدقق في كل صغيرة وكبيرة تدخل بيتها، تتجنب الأطعمة المرتبطة بالمخاطر الصحية، وتحرص على شرب المياه من قنينة زجاجية وتجنب الأواني البلاستيكية. لكنها أصبحت تدرك اليوم أن كل تلك الاحتياطات قد ذهبت أدراج الرياح.

في مخيمٍ آخر غرب مدينة غزة، واجه ناجي منصور تحذيرات ابنته بالعجز؛ فحين طالبته بتغيير زجاجات الماء التي نالت منها الشمس، أدرك الرجل ثقل الكلفة الإضافية. يقول: "شراء زجاجات جديدة لكل فرد من أفراد عائلتي السبعة يعني إنفاقاً لا أقوى عليه، في واقع لم يترك لنا خيارًا سوى إعادة استخدام زجاجات المشروبات الغازية والعصائر".

كان منصور قبل الحرب يبدل الزجاجات شهريًا، أما الآن فكل ما يملك فعله هو محاولة إبعاد القناني عن أشعة الشمس المباشرة. وحين صُدم بأسعار القناني الزجاجية وشُحها في الأسواق، تيقن أن البديل الآمن بعيد المنال.

تكشف المراجعات البحثية التي شملت نحو 140 دراسة علمية، وفقًا لخبيرة الإدارة البيئية في جامعة كونكورديا، عن أرقام صادمة؛ فالإنسان يبتلع سنوياً ما بين 39,000 و52,000 جسيم بلاستيكي دقيق، في حين يستهلك المعتمدون على المياه المعبأة نحو 90,000 جسيم إضافي مقارنة بمن يشربون مياه الصنبور.

يتراوح طول هذه الجسيمات الدقيقة بين ميكرون واحد و5 مليمترات، تتسرب من الأواني أثناء التصنيع أو النقل والتخزين، وتتضاعف مع ارتفاع درجات الحرارة لتصل إلى الجهاز الهضمي، ومجرى الدم، والرئتين، والكبد، وتتسبب في التهابات مزمنة، واضطرابات هرمونية، وعقم.

يشرح الطبيب أشرف عبيد، المتخصص في علم السموم واستشاري الجراحة العامة، دلالات تلك الأرقام الموجودة أسفل العبوات، مشيرًا إلى أنها تحدد نوع البلاستيك ومدى أمانه. ويوضح أن الخطر يتفاقم عندما تصبح الزجاجة مخدوشة، أو متشققة، أو معرضة للشمس التي تضعف البلاستيك وتطلق مواد كيميائية في الماء، تزيد من نمو الجراثيم وتغير الطعم والرائحة.

 

ويؤكد عبيد أن التعرض المستمر لهذه المواد على مدى سنوات قد يؤدي إلى اضطرابات هرمونية حادة تؤثر على الأطفال والحوامل، وتسبب اضطرابات في النمو، ومشاكل في الخصوبة، وتأثيرات على تطور الدماغ والجهاز العصبي، فضلاً عن ضعف المناعة والاضطرابات الهضمية.

هنا تبرز المفارقة، فقبل الحرب، كانت هناك معايير ومواصفات فلسطينية تفرض نظريًا رقابة صارمة على مصانع تعبئة المياه البلاستيكية، وتُجبر الشركات على وضع رموز واضحة مثل: رقم 5 (PP) ورقم 2 (HDPE) الآمنين الذين يستخدموا في علب الطعام والجالونات الجيدة، وتجنب الأرقام الخطرة (3 و6). وبموجب تلك المعايير، كان يُمنع تداول العبوات مجهولة المصدر أو تخزينها تحت الشمس المباشرة.

وبطبيعة الحال، فإن تلك المنظومة وإن لم تكن مثالية، فإنّ تطبيقها على أرض الواقع كان يُشكِّل أداة رادعة للمخالفين وحماية للمستهلكين. أما اليوم، ومع غياب البدائل، وإغفال الجالونات المنتشرة لأي بيانات تعريفية، تتصاعد حالة الغموض والخوف، ويصبح باب الخطر الكيميائي مفتوحًا على مصراعيه.

لذلك يرى المختص البيئي نزار الوحيدي أنه في مجتمع منهار البنية التحتية كقطاع غزة، يمتد الأثر ليعيث فساداً في البيئة المحيطة عبر نفايات صلبة ولدائن دقيقة لا تتحلل بيولوجياً، بل تتراكم في الأرض وتغير خصائص التربة وتمنع نفاذية الماء والهواء.

ويبين الوحيدي أن "الزجاج يظل الخيار الأكثر استدامة لكونه مادة خاملة، لكنه بات بعيد المنال بفعل الحصار وتدمير خطوط الإنتاج".

والأكثر إيلامًا الآن بالنسبة للنساء والأسر التي تحاول الحفاظ على سلامة أطفالها، هو انهيار الدعم المعيشي وفقدان القدرة الشرائية؛ فشراء قنينة زجاجية واحدة أصبح يفوق قدرة رب أسرة فقد عمله وتخطت نسبة الفقر في محيطه حاجز الـ 90%.

الأخصائية النفسية والاجتماعية نورا أبو عيطة، تقول إن التداعيات النفسية الناتجة عن إدراك العجز عن حماية الأطفال من "السم الخفي" تعتبر كارثية، إذ تعزز لدى الأمهات والآباء الإحساس بالذنب والعجز المستمر، مما يدفعهم نحو القلق والتوتر والأفكار السلبية، وكره الواقع نتيجة عدم وجود حماية كافية لأبسط مقومات الحياة ككوب ماء نظيف.

بالتالي، فإننا أمام مواجهة مفتوحة لخطر التسمم البلاستيكي نتيجة غياب الرقابة والبدائل والانهيار الاقتصادي، ولا أحد يعلم كم سيكون حجم الكارثة الصحية التراكمية في المستقبل، خصوصًا مع عدم وجود أفق لإعادة بناء النظام وسيادة القانون والتحسن الاقتصادي.