في وقتٍ يعتبر فيه البعض تحقيق حلم الحصول على شهادة الثانوية العامة فتحًا لصفحة جديدة مع المستقبل، يعتبر فيه آخرون أنهم سيدخلون مرحلة الانكفاء على النفس وانطفاء الشغف، لا سيّما الفتيات، لا لشيء سوى لأنهم فقراء.

وفي ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، يتحول حلم التعليم الجامعي بالنسبة للعديد من الفتيات إلى سراب بعيد المنال. فبينما ظل التعليم، على مدار عقود، يشكل بوابة الأمل لمستقبل أفضل، أصبح اليوم يشكل احتياجًا ثانويًا لا تستطيع معظم الأسر تحمل تكاليفه، في ظل ثلاثة تحديات رئيسية تحرم الفتيات من حقهن في مواصلة دراستهن الجامعية.

انعدام مصادر الدخل: عبء مالي يثقل كاهل العائلات

مع تدمير أكثر من 95% من المنشآت الاقتصادية في غزة، وفق تقارير أممية، أصبحت غالبية الأسر الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر المدقع. في هذا السياق، تتحول المصاريف الجامعية إلى عبء مالي، حيث تفضل بعض الأسر توجيه ما يمكن إنفاقه على التعليم إلى تغطية احتياجات الطعام والشراب، في ظل محدودية وصول المساعدات.

ضَمَّتْ غدير حمدان شفتيها وهي تعبّر عن مشاعرها إزاء انتهاء حلم الدراسة بالحصول على شهادة الثانوية العامة أمس الجمعة (24 يوليو)، وتقول: "أحيانًا لا تكون الأولوية للمعدل.. مهما كان المعدل متميزًا، فإنه لن يشفع لك حين تكون فقيرًا".

وحصلت غدير على نسبة 90% في الفرع الأدبي، لكنها قالت: عندما تنتهي فرص التعليم بالمجان، يتوقف ركضنا نحو المستقبل، في إشارة إلى أن الرسوم الدراسية في الجامعات المحلية تُعقّد مساعيها نحو دراسة الحقوق.

وتنتمي غدير إلى أسرة تعمل في الزراعة من شمال قطاع غزة، وقد نزحت إلى قلب مدينة غزة قبل عامين، ولم تزل هي وأسرتها المكونة من ثمانية أشخاص يعيشون داخل خيمة.

منذ أيام، لم تبرح الفتاة الهاتف وهي تحاول التقاط إشارة إنترنت من أجل البحث عن منح دراسية في الجامعات المحلية. أما المنح الخارجية، فترفضها الأسرة لالتزامها بضوابط وعادات، وصفتها الفتاة متجهمة بـ"المعقّدة".

آلاء عبيد (18 عامًا)، التي أنهت امتحانات الثانوية العامة وسط ظروف قاسية، تواجه الظرف نفسه، إذ تقول: "نجحت في الثانوية العامة وسط ظروف قاسية، لكنني لا أستطيع الالتحاق بالجامعة بسبب الرسوم... أشعر أن مستقبلي توقف عند هذه المرحلة".

وتشير آلاء إلى أن شقيقتها الكبرى، التي تمكنت من إتمام البكالوريوس قبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023 على غزة، لم تتمكن، بفعل الفقر، من استخراج شهادتها الجامعية نتيجة تراكم الأقساط الفصلية للدراسة.

وتراكمت الأقساط والرسوم الدراسية على الطلبة الذين فقدت عائلاتهم مصادر دخلها الأساسية نتيجة الحرب. تقول فداء (23 عامًا)، وهي شقيقة آلاء: "أنهيت متطلبات التخرج قبل الحرب، لكنني لم أستطع استخراج شهادتي أو سداد الأقساط المتراكمة". وأضافت: "أشعر أن سنوات تعبي مهددة بالضياع".

وتعكس كلماتها معاناة آلاف الطلبة الذين يواجهون مستقبلًا مجهولًا بعد سنوات من الجهد والتعب، وبخاصة في ظل بيئة مليئة بالتعقيدات الاقتصادية والأمنية، وغياب الأفق السياسي.

انهيار البنية التحتية: عندما يصبح الإنترنت والكهرباء رفاهية

مع تحوُّل التعليم إلى منصات إلكترونية، أصبح الوصول إلى الإنترنت والكهرباء تحديًا يوميًا للطلبة عمومًا في قطاع غزة، وبخاصة الطالبات اللواتي يعشن داخل الخيام ولا تتوفر لديهن وسائل اتصال وهواتف محمولة، لا سيّما في ظل الأسعار الفلكية لاقتناء الأجهزة، حتى الرديء منها.

وتوثق شهادات الطالبات معاناة حقيقية في محاولة متابعة محاضراتهن عبر الإنترنت، في ظل انقطاع دائم للتيار الكهربائي وضعف شبكات الاتصال.

تحكي سمية عبد الهادي (21 عامًا)، طالبة هندسة بجامعة الأزهر، عن رحلتها اليومية الشاقة بحثًا عن إشارة إنترنت، لتتمكن من تحميل محاضراتها وإنجاز واجباتها الدراسية. تقول: "في كثير من الأحيان، ينقضي اليوم من دون أن أتمكن من تحميل موادي الدراسية، أو الإجابة على أسئلة الاختبارات".

وتضيف سمية عبد الهادي، وهي الابنة الوسطى في أسرة كانت تعيش على دخل متجر صغير (ميني ماركت)، لولا أن جاءت الحرب ودمرته: "الإنترنت أرهقني نفسيًا، وخصوصًا عندما يكون سيئًا جدًا". أما بالنسبة للكهرباء، فتضطر الفتاة إلى قطع مسافات طويلة لشحن هاتفها وجهاز اللابتوب باستخدام ألواح الطاقة الشمسية، بمتوسط تكلفة يومية (10 شواقل).

تفضيل اكتساب صنعة تدر دخلًا: أولويات البقاء على حساب التعليم

في ظل انهيار الاقتصاد وفقدان مصادر الدخل، تبرز معادلة قاسية تواجهها العائلات الفلسطينية: التعليم أم لقمة العيش؟ تتزايد الأصوات المطالبة بتوجيه الشباب، خاصة الفتيات، نحو اكتساب مهارات عملية تدر دخلًا سريعًا للأسرة، على حساب التعليم الأكاديمي الطويل.

يشير تقرير صادر عن "Gaza Sky Geeks" إلى أن البطالة بين الشباب في غزة وصلت إلى 70%، مما يجعل الانتقال من التعليم إلى سوق العمل شبه مستحيل حتى في الظروف الطبيعية. وفي ظل الحرب، تتفاقم الأزمة، حيث تضطر الأسر إلى الاختيار بين توفير الطعام لأبنائها أو دفع أقساط جامعية قد لا تؤدي إلى فرص عمل في المستقبل المنظور.

تقول رنين سليم (18 عامًا)، التي فقدت والدها خلال الحرب، وتعيش مع أمها وإخوتها داخل خيمة في مواصي خان يونس، جنوب قطاع غزة، بعد رحلة نزوح متكررة، إنها تفضل الآن الانخراط في دورات تصفيف الشعر أو الالتحاق بالتدريب في أحد صالونات التجميل، كي تساعد في الإنفاق على الأسرة.

توضح رنين سليم، التي حصلت على نسبة 87%، أنه ليس من السهولة بمكان دفع مبلغ يتجاوز قيمته 500 دولار، بحد أدنى، كرسوم دراسية للفصل الدراسي الأول.

وتابعت الفتاة وهي عابسة: "نحن نعيش على المساعدات وموائد الطعام المجاني، وما تجود به أيدي فاعلي الخير، وليس من السهل الالتزام بدفع رسوم دراسية، لذلك فأنا أفضل الانخراط في العمل في أحد صالونات التجميل من أجل المساهمة في إعالة أسرتي، وبخاصة أن إخوتي لا يزالون في المرحلة الابتدائية".

تشير إحصاءات هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 328 ألف فتاة في غزة محرومات من التعليم. كما حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" من أن "الطفولة لا يمكن أن تبقى على قيد الحياة" في غزة، مع استمرار الحرب التي تهدد بضياع جيل بأكمله.

يقول الخبير الاقتصادي ماهر الطباع: "إن دعم التعليم في قطاع غزة يُعد استثمارًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الإغاثة الإنسانية... فُقدان جيل متعلم يعني فقدان القدرة على إعادة الإعمار والتنمية مستقبلًا".

وأوضح الطباع أنه من الضروري العمل الحثيث مع الجهات الرسمية والمنظمات الدولية التي تعنى بالتعليم، لدعم هذا القطاع ومساعدة الشباب، وبخاصة الإناث، على مواصلة مشوارهم العلمي، وسط بيئة محطمة يشكل التعليم أحد سبل بنائها.

ولأجل الحفاظ على حلمهن بالانخراط في التعليم الجامعي، تصاعدت أصوات طالبات الثانوية العامة للمطالبة بإنشاء صندوق مالي لدعم التعليم في غزة. ولكن حتى يتحقق هذا، سيبقى السؤال الأكبر: هل سينجو جيل كامل من الفتيات من ضياع حلم التعليم، أم سيبقى هذا الحلم رهنًا بظروف قاسية لا أفق لإنهائها؟