ينظر المزارع نادر الشافعي بحسرة إلى صور مزروعاته التي أتلفتها موجات الحر الشديدة، متخذًا قرارًا قاسيًا بالتوقف عن العمل حتى تنقضي أيام شهر آب اللاهبة. يحترق محصوله أمام عينيه دون أن يتمكن من إنقاذه في ظلّ شح الإمكانات؛ فلا أغطية واقية ولا معدات تساعده على حماية مزروعاته كما كان الحال سابقًا. 

وأمام هذا الواقع، لم يجد خيارًا سوى رفع الراية البيضاء والتوقف مؤقتًا عن زراعة أرضه الصغيرة الواقعة في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بالقرب من حدود "الخط الأصفر"، وهو الشريط الأمني الممتد إزاء الحدود الشمالية والشرقية لقطاع غزة.

لم تسعفه دراسته وتخصصه في الهندسة الزراعية والجيولوجيا؛ ففي مواجهة تربة منهكة بفعل الحرب ومناخ صيفي حار، وقف عاجزًا أمام محاصيله التي غرسها شتلة تلو الأخرى. كان يعتمد على زراعة الورقيات، والباذنجان، والفلفل الأخضر، والخيار، لكن بمجرد دخول الصيف، بدأت علامات التلف والحروق تنهش أوراقه الخضراء.

يقول الشافعي بأسى: "كنا قبل الحرب نعرف كيف نتعامل مع الحرارة الشديدة التي تتلف المحاصيل، وكنا نرى القطاع الزراعي يتطور حيث عملت في الزراعة المائية والهوائية، لكننا اليوم بتنا عاجزين. لقد خسرت 10 دونمات، وما زال أثر هذه الخسارة يلقي بظلاله على حياتي. تركت الزراعة الآن وأعمل في مؤسسة دولية لمراقبة محطات المياه، وسأعود لأرضي فور انتهاء موجات الحر".

العودة إلى أرض محروقة

الشافعي ليس حالة فردية، بل هو واحد من آلاف المزارعين في قطاع غزة الذين عادوا إلى أراضيهم بعد أشهر من النزاع، يحدوهم الأمل في أن تعوضهم الأرض عن خسائرهم، ليصطدموا بواقع زراعي فقدَ كل مقوماته. فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يمس هذا الواقع نحو 33 ألف شخص يعتمدون على القطاع الزراعي في حياتهم اليومية؛ إذ باتت التربة منهكة، والمبيدات الحشرية المتوفرة منتهية الصلاحية، والأغطية البلاستيكية والمستلزمات الزراعية شبه معدومة. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، إذ جاءت موجات الحرّ لتحرق المحاصيل وتفاقم المشكلات الزراعية.

وفي ظلّ هذه الظروف، بات الإنتاج الزراعي يعتمد بشكلٍ أساسي على الورقيات وعدد محدود من أصناف الخضروات، باعتبارها الأسرع نموًا والأقل كلفة؛ إلا أن هذه المحاصيل تُعد من أكثر الأصناف حساسية لارتفاع درجات الحرارة، مما وفر بيئة صيفية مثالية لتكاثر الآفات، وعرّض النباتات لإجهاد حراري أضعف مناعتها وجعلها أكثر عرضة للتلف.

على نحوٍ مُشابه، يقف المزارع يحيى شلط في أرضه الزراعية بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يفحص الشتلات واحدة تلو الأخرى، ليلاحظ تغير لون الأوراق من الأخضر إلى البني الشاحب أو شبه المحروق. تراجع الإنتاج بشكلٍ ملحوظ، وهو يُدرك تمامًا أنّه في ظلّ الظروف الحالية لن يتمكن من حماية محاصيله بنسبة 100%، فهذا التلف خارج عن إرادته ومرتبط بالحرارة والشمس الحارقة.

يقول شلط وهو يمسك بنبتةٍ تالفة: " ارتفاع درجات الحرارة يزيد من نسبة الإصابة بالآفات والأمراض، سواء في البيوت المحمية أو الأراضي المكشوفة. الحرارة المرتفعة تسبب تعفن الجذور حيث تتغلغل فيها آفة (النيماتودا)، وهناك إصابات أخرى تضرب النبتة نفسها كالورقيات".

ويضيف: "بات العمر الزمني لأغلب المزروعات قصيرًا جدًا. أزرع الورقيات بالعموم والخضروات كالبندورة، والفلفل، والخيار، والشمام، والبطيخ، والكوسا، وتتلف أجزاء كبيرة منها بفعل الحرارة في غياب الأغطية البلاستيكية. اضطررت لزيادة الريّ باستخدام مواتير أستأجرها بتكلفة عالية جدًا لكي أحافظ على ما تبقى من المحصول".

الإجهاد الحراري: خسائر فادحة وبدائل مُبتَكرة

المهندس الزراعي محمد الفرا يؤكد أنّ درجات الحرارة المرتفعة وموجات الحرّ الصيفية تؤثر سلبًا على المحاصيل، وتؤدي إلى انخفاض جودة الإنتاج وتراجع حجمه، وزيادة خطر جفاف النبات وصولًا إلى مرحلة الذبول والموت.

ويوضح الفرا: "المحاصيل المكشوفة هي الأكثر تضررًا، فمع ارتفاع الحرارة يرتفع مستوى التبخر، وتزداد الحاجة للري بشكل يومي وعلى فترتين، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل شح المياه في كثير من المناطق ونقص الوقود اللازم لتشغيل شبكات الريّ".

ويشير إلى أن غالبية المحاصيل الصيفية والأشجار المثمرة متضررة حاليًا؛ حيث تتسبب الموجات الحارة في تساقط ثمار "العقد الصغيرة" في مراحل نموها الأولى. وتظهر علامات الإجهاد الحراري جلية في الذبول المؤقت الذي ينتهي بمجرد الري، واحتراق حواف الأوراق وتساقطها، إضافة إلى تشقق الثمار والتفاف الأوراق، وصولًا إلى النضج الوهمي المتمثل في تغير لون الثمرة من الأخضر إلى الأصفر—أو الأحمر في الحمضيات—دون أن تكتسب الطعم أو الحجم الطبيعي.

ويختلف تأثير هذه الموجات باختلاف المحصول؛ إذ تصاب البندورة بـفشل في العقد وتساقط الأزهار مع غياب تلوين الثمرة وظهور بقع بيضاء وصفراء عليها، بينما يعاني العنب من صغر حجم الحبة وغياب المادة السكرية واحتراق الأوراق والعناقيد، في حين يتعرض الخيار لتشوه ملموس في شكل الثمار وطعمها.

ولمواجهة هذا الخطر، يطرح الفرا مجموعة من الحلول والتدابير الوقائية للمزارعين لتخفيف آثار الإجهاد الحراري، تبدأ بالتظليل عبر تغطية النباتات بشبكات خاصة لتقليل حدة أشعة الشمس، إلى جانب تنظيم الري في الأوقات الصباحية والمسائية بنظام منتظم لتفادي تشقق الثمار أو سقوط العقد، مع اعتماد الري الرذاذي صباحًا لغسل الأوراق وتقليل حركة الحشرات.

كما يشدد على أهمية إدارة التسميد والوقاية من خلال تجنب التسميد الكيميائي خلال الموجات الحارة، ورش المركبات النحاسية والكبريت، وطلاء الجذوع والأفرع بمواد منفرة للحشرات، فضلاً عن إزالة الأفرع المصابة فور ظهور الأعراض. ويستعرض الفرا كذلك بدائل مبتكرة للري والتسميد، من بينها إعادة تدوير البلاستيك لصنع شبكات ري، والاعتماد على الري الانسيابي الذي لا يحتاج إلى مضخات أو كهرباء، إضافة إلى تصنيع "الكومبوست" كسماد عضوي مُنتج من المخلفات العضوية.

الكارثة البيئية وفقدان الدرع الأخضر

من ناحية بيئية، يُنبه المختص البيئي نزار الوحيدي إلى أن التغيرات المناخية والاحتباس الحراري أسهما في زيادة حدة موجات الحر عالميًا، وغزة لم تكن بمنأى عن هذه التأثيرات. لكن ما فاقم الأزمة محليًا هو تدمير الغطاء النباتي، مما عرّض التربة لأشعة الشمس المباشرة؛ فارتفعت حرارتها، وفقدت كميات هائلة من الرطوبة والمياه، وحدثت تغيرات فسيولوجية في النباتات أثرت على نموها وإنتاجيتها.

ويؤكد الوحيدي أن تأثير الحرارة المرتفعة يمتد إلى ما تحت سطح الأرض؛ فالجذور والتربة تعانيان من جفاف الطبقات السطحية، ويزداد الإجهاد المائي والشد الرطوبي، مما يُلزم المزارعين بضخ كميات أكبر من مياه الري في وقت تعيش فيه المنطقة أزمة مياه خانقة.

ويشدد على أن انعدام الغطاء النباتي يُعد من أخطر التداعيات البيئية، إذ كان يلعب دورًا محوريًا في تقليل فقدان المياه من التربة، وحمايتها من الشمس، وتحسين عملية البناء الضوئي، والحد من الجفاف، فضلاً عن حماية المحاصيل من التقلبات المناخية. وبفقدانه، أصبحت التربة مكشوفة ومستباحة للحرارة.

هنا في غزة، تضرب التغيرات المناخية القطاع الزراعي في مقتل، وتضع الشمس الحارقة بصمتها القاسية على جذور النباتات لتهلكها ضمن واقع بيئي منهك أصلاً. وبينما ينتظر المزارعون انكسار موجات الحر، يبقى السؤال معلقًا: هل تستطيع الزراعة في غزة الصمود أمام أزمات تتغلغل في جذورها تحت وطأة الحصار، أم أن ما تبقى من الأراضي المنهكة ستواصل الذبول موسمًا بعد آخر؟