يقف الباحث محمد شحادة أمام أنقاض مكتبة الجامعة الإسلامية، لا بوصفه زائرًا لمكانٍ مهجور، بل كمن يعود إلى جزءٍ من سيرته الشخصية. يتأمل الفراغ الذي حلّ محل الرفوف، ويقول بصوتٍ يختلط فيه الذهول بالحزن: "جئت اليوم أبحث عن هذه المكتبة التي قضيت فيها سنوات وأنا أكتب أبحاثي، والتي كان عدد الكتب بها يزيد عن مليون ونصف كتاب، لكني لم أجد لها أثرًا".
ثم يتوقف قليلًا، كأنه يفتّش في ذاكرته عن بقايا الورق، ويضيف: "الكتب التي كانت موجودة في المكتبات تم تدميرها بالكامل تحت الأنقاض، وما تبقى منها تم استخدامه لإشعال النيران أو تضرر بفعل مياه الأمطار، ليصبح غير صالح للقراءة".
في مكانٍ آخر من المشهد ذاته، كان الباحث فلاح الدلو يقدّم شهادة مختلفة لكنها تنتمي إلى الخسارة نفسها. نشر على منصة Reddit، ضمن مجموعة أخبار فلسطين، مقطعًا مصوّرًا له وهو يحفر بين الركام بيدين متعبتين، قائلاً: "هذا ما تبقى من مكتبتي الخاصة التي جمعتها أكثر من عشرين سنة… كل الكتب التي أحببتها صارت تحت الأنقاض، ونحاول أن ننتشل بعضها لنورثها لأحفادنا". كان المشهد بسيطًا في ظاهره، رجل وركام، لكنه في عمقه بدا كأن الزمن نفسه يُنقّب عن ذاكرته.
لم يعد رماد الكتب استعارة بل صار واقعًا يوميًا. على منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت صور ومقاطع قصيرة تُظهر كتب الجامعة وقد استُخدمت وقودًا للطهي في خيام النزوح، بينما وثّق آخرون لحظة استرجاع صور كتبهم وهي تتحول أمام أعينهم إلى رماد. لم يكن الاحتراق مجرد احتراق ورق، بل تحوّل بطيء للمعرفة إلى أثرٍ أسود يتطاير مع الريح.
وسط هذا المشهد، لم يعد التوجّه إلى القراءة الإلكترونية خيارًا ثقافيًا بل ضرورة فرضها فقدان الكتب. فمع احتراق كميات كبيرة من الكتب وتدمير مكتبات كاملة، أصبح الهاتف المحمول وسيلة بديلة للوصول إلى الكتب بصيغ رقمية، خاصة في الخيام والمساكن المؤقتة. ورغم غياب ملمس الورق، استمر فعل القراءة، فيما بقيت للكتاب الورقي قيمته الرمزية والعاطفية حتى بعد فقدانه.
قبل السابع من أكتوبر 2023، كان قطاع غزة يزخر بمكتبات عامة وجامعية ومحلية، فضاءات هادئة تعجّ بالحركة الفكرية. من مكتبات التابعة للبلدية إلى المكتبات الجامعية والعائلية، كانت تلك الأماكن تجمع القرّاء والمثقفين، وتستقبل طلاب الجامعات الباحثين عن مصادر لأبحاثهم، وتمنح المدينة إيقاعًا معرفيًا مستمرًا. لكن الحرب أحدثت انقلابًا عنيفًا في هذا المشهد، انقلابًا جعل الرفوف التي كانت تمتلئ بالكتب تمتلئ بالصمت.

منذ أكتوبر 2023، تحولت المكتبات إلى مرايا لـدمار والمنفى الثقافي. عشرات المكتبات والقاعات الثقافية تعرضت لتدمير مباشر أو أضرار بالغة، وهو ما أدى إلى اختفاء ظاهرة روّاد المكتبات كما عُرفت سابقًا. لم يعد القارئ يتجه إلى المبنى، بل صار يبحث عن الكتاب في أماكن أخرى، إن وجده أصلًا.
كشف تقرير لوزارة الثقافة الفلسطينية أن طواقمها باشرت في يناير 2025 توثيق الأضرار التي لحقت بالمواقع الثقافية في غزة، وأظهرت النتائج دمارًا واسعًا طال البناءات الثقافية، بما فيها المكتبات، على نحو يهدد الذاكرة الثقافية والهوية الفلسطينية نفسها. لم يكن الأمر مجرد تدمير حجارة، بل تآكل ذاكرة جمعية كاملة.
تقارير إعلامية أشارت إلى أن القصف منذ أكتوبر 2023 أدى إلى تدمير أكثر من 87 مكتبة عامة وأرشيف، بما في ذلك مكتبات جامعية ومستودعات وثائق تاريخية، ويُعتقد أن 70% من الأرشيفات التاريخية في غزة دُمّرت بالكامل أو تضررت بشدة. في مدينةٍ تعتمد على الذاكرة بوصفها شكلًا من أشكال البقاء، بدا فقدان الأرشيف وكأنه فقدان لزمنٍ كامل.
من بين هذه الخسائر، كانت مكتبة دائرة العمل والتخطيط الفلسطيني، التي بات ركامها يغلق أحد الشوارع الحيوية في مدينة غزة. أظهرت صور نشرتها وكالات أنباء كتبًا ومحاضر ممزقة، كانت يومًا ما حافظة للمعرفة، ثم تحولت إلى بقايا بلا صوت.
ووفقًا للمكتبة الوطنية الفلسطينية، أصبح استهداف المكتبات جزءًا مما أُطلق عليه مصطلح "الإبادة الثقافية" في الحرب، حيث دُمّرت المكتبات والمخطوطات التاريخية والمراكز التي تمثّل ذاكرة المجتمع الغزي. لم يكن الاستهداف ماديًا فقط، بل مسّ البنية الرمزية للثقافة نفسها.

السوشيال ميديا… ذاكرة المتبقي من الثقافة
على فيسبوك وإنستغرام، ظهرت صفحات ومجموعات صغيرة كأنها تحاول إعادة ترتيب ما تبقى من الذاكرة. هناك، تُنشر صور الكتب والكتّاب، وتُروى قصص روّاد المكتبات الذين غيّبتهم الحرب، كأن الفضاء الرقمي صار بديلاً هشًا للمكان المفقود.
ومن أبرز هذه الحالات مكتبة سمير منصور، التي لم تكن مجرد متجر للكتب، بل فضاء ثقافي حيّ للاجتماعات القرائية والتوقيعات والندوات الأدبية، ومقصدًا لطلاب المدارس والجامعات. على صفحاتها الرسمية، شاركت المكتبة صور الكتب المتوفرة، دعوات للقراءة والمناقشة، وصورًا لعدد قليل من الزبائن الذين ما زالوا يلتقطون صورهم أمام الرفوف، كمن يتمسك بعادةٍ قديمة في عالم تغيّر.
في يناير 2026، ركّزت تقارير دولية، مثل فايننشال تايمز، على قصة المكتبة، وكيف أن صاحبها، رغم الدمار والتهجير، يواصل توزيع الكتب أحيانًا مجانًا، ويدير فرعًا واحدًا وسط ظروف الحرب، مؤكدًا أن "الناس الذين لم يكونوا قرّاء من قبل بدأوا يريدون الكتب بقوة لأن الحياة توقّفت وكل ما تبقى لهم هو القراءة".

روّاد المكتبة أنفسهم عبّروا عن هذا التحول. باسمة، 28 عامًا، خريجة إعلام، كتبت: "هذا المكان كان واحة لي، وكلما تمر اللحظات الصعبة، أعود إلى صفحات الروايات لأجد مكانًا آخر للسلام".
على صفحات الثقافة في غزة، تكررت منشورات تُظهر كتبًا محترقة، وجلسات قراءة في المنازل والخيام، ورفوف كتب محمولة على عربات صغيرة تُنقل بين الأحياء المدمرة. كأن الكتاب نفسه صار نازحًا.
في إحدى مجموعات القراء على فيسبوك، كتب أحدهم: “هذه الكتب هي آخر ما تبقى من حياتنا الثقافية… كل من يعرف معنى القراءة يعرف أن وجود كتاب في يدي يعني أنني لا زلت حيًّا.”
وعلى منصة إنستغرام، نشرت مجموعة تحمل اسم “غزة تقرأ رغم القصف” صورًا لشباب يجتمعون في بيت مؤقت لقراءة الشعر العربي، مع تعليق يقول: “كل بيت خيمة مكتبة، وكل قارئ روح مقاومة.”
نشطاء أنشأوا مجموعات لمشاركة صور كتبهم القديمة، في محاولة لحفظ الذاكرة الثقافية من الضياع. كتب أحدهم: “حتى لو اختفت المكتبات، صور كتبي لن تختفي… سأحفظها هنا".
مع تراجع المكتبات العامة، لجأ كثيرون إلى المدوّنين والصحفيين على فيسبوك وإنستغرام لتوثيق ما تبقى من الكتب، أو حتى لقطات من كتب قديمة عُثر عليها بين الأنقاض، وكتبوا عليها: “هذه كتب جدي… خرجت معي من بيتي… سأحافظ عليها.”
تُظهر القصص المنشورة كيف انتقلت القراءة من الفضاءات العامة إلى المنازل والخيام والمجموعات الرقمية الصغيرة، حيث يلتقي الأصدقاء افتراضيًا للحديث عن كتاب أو الاستماع إلى مقاطع مقروءة عبر الإنترنت. هذه الظاهرة وثّقت بدورها تغيرًا في صورة “المكتبة” نفسها، من مكان مفتوح إلى تجربة شخصية داخل فضاءات أصغر وأكثر هشاشة.

في الختام… أين إذن اختفى روّاد المكتبات؟
لم يختفِ حب القراءة من غزة، بل تغيّر شكله. فمع تلاشي المكتبات التقليدية تحت الدمار، ظهرت بدائل جديدة: صفحات رقمية على فيسبوك وإنستغرام توثّق الكتب وكلمات القرّاء، مكتبات صغيرة في الخيام والمنازل بنظام الإعارة أو التبادل، ومبادرات لتوزيع الكتب عبر شبكات محدودة، كما في تجربة مكتبة سمير منصور، حتى في أصعب الظروف.
هكذا يجد السؤال: أين اختفى روّاد المكتبات؟ إجابته في تحوّلهم من فضاءات مكتبية رسمية إلى فضاءات شخصية وشبكات رقمية صغيرة، ومن رفوف أُحرقت إلى شاشات تُضاء ليلًا بالكتب الإلكترونية، حيث تُبنى ثقافة مقاومة جديدة تحت رماد الحرب.