تُذكِّر نسمات الخريف الباردة مئات آلاف العائلات النازحة في قطاع غزة بقسوة الشتاء المقبل عليهم داخل الخيام البالية والكُتل الإسمنتية المُتداعية. ومع انخفاض درجات الحرارة تدريجيًا وبدء طقوس الأمّهات في استبدال ملابس الصيف بملابس الشتاء، يبرز تحدٍ جديد يتمثّل في كيفية حماية هذه القطع القليلة المُتبقية للنازحين من الرطوبة والعفن والحشرات التي تصيب الأقمشة، وهي مُشكلات عانت منها العائلات خلال الشتاءات الفائتة.

ومن المعروف عن بيئة غزّة الرطوبة العالية بسبب موقعها الجغرافي على ساحل البحر، وهو ما يُفاقم خطر تعفّن الأقمشة وتعرّضها للرطوبة، خاصة في ظلّ اضطرار الأهالي لتكديسها في مساحات ضيقة جدًا، وفي كراتين أو زوايا غير مخصصة لحفظ الملابس، بحكم ما يفرضه واقع النزوح الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة الأساسية.

وتطال هذه الظروف نحو 500 ألف عائلة نازحة بسبب الحرب الإسرائيلية المستمرة، يُشكّلون حوالي مليونيْ نسمة، يعيشون في واقعٍ اقتصاديّ معقد- بعد فقدهم المأوى ومصدر الدخل- جعلهم فريسةً للضغوط المالية الطاحنة وانعدام شبه تام للقدرة الشرائية، تغيّرت معها أولويات الإنفاق لهذه الأُسر، مما يجعل شراء أدوات ومساحيق التنظيف والمعطّرات الكيميائية وحتى أكياس الحفظ المخصصة باهظة الثمن، رفاهية بعيدة المنال.

وإذا كانت البيوت العادية تعتمد سابقًا على الخزانات الخشبية الفسيحة والمُنظِّمات الحديثة، لا تُوفّر الخيام محدودة المساحة والبيوت المتهالكة المستورة بشوادر مهترئة سوى بدائل بدائية قاسية، حيث تصبح كراتين الورق المقوى هي الخزانة البديلة والوحيدة المتاحة لمعظم العائلات لترتيب احتياجاتها ومقتنياتها البسيطة.

هذه الكراتين، وقماش الخيام نفسه، بما فيهما من ملابس وأغطية، مع أجواء الخريف والشتاء عالية الرطوبة، يُصبحون عُرضةً للتلف والبَلل مع أول هطولٍ للأمطار، أو بسبب الرطوبة الأرضية المتصاعدة ليلًا، فتظهر عليها البُقع الداكنة والروائح الكريهة. ولمنع هذا، نُقدّم لكم مجموعة من الحلول المنزلية المجانية، والطُرق الاقتصادية المُبتكرة، من مُكوّنات متوافرة في بيئة النزوح بدون تكلفة تُذكر، لحفظ الملابس وقماش الخيام، وكذلك الأغطية، وحمايتها جميعًا من التلف والعفن.

ولا تقتصر أضرار الرطوبة وتعفّن الأقمشة على الرائحة الكريهة التي تخلّفها، أو فساد قطع الملابس، بل لها آثار صحيّة. فبحسب إرشادات منظمة الصحة العالمية حول الرطوبة والعفن في المباني (2009) ومراجعات علمية أخرى، يرتبط وجود الرطوبة والعفن في أماكن السكن بزيادة أعراض الجهاز التنفسي والربو والالتهابات التنفسية، وتشير هذه الأدلة إلى أنّ التحكّم في الرطوبة ومعالجة العفن يقلّلان هذه المشكلات الصحيّة.

 

خطوات عملية

1- غسل الملابس وتجفيفها: انتقالاً إلى الخطوات العملية، نبدأ بغسل الملابس جيدًا ثم تجفيفها التام قبل تخزينها؛ وهذه أهمّ مرحلة للوقاية وهي خطوة ثابتة في كلّ الطُرق التي نستعرضها لاحقًا؛ فالأوساخ المرئية وغير المرئية، وبقايا العرق والطعام، تجذب الحشرات التي تصيب الأقمشة، كالعثّ والسمك الفضي، وقد تنتقل إلى الخزانة مع الملابس دون أن ننتبه إليها. كما أنّ الرطوبة المُختبئة بين ألياف القماش- في حال عدم تجفيفها الكامل- هي العدو الأول الذي يُسبب العفن والبقع السوداء كريهة الرائحة. ويُفضَّل التجفيف تحت أشعة الشمس المباشرة متى أمكن، لأنها تساعد على قتل جزء كبير من الجراثيم والأبواغ الفطرية. وفي حالة عدم توافر الشمس يكفي تعريض الملابس للهواء الطلق لفترات كافية حتى ضمان جفافها التام. وينطبق هذا على أي نوع أقمشة، كالأغطية وغيرها.

2- تأمين كراتين حفظ الملابس: وفي ظل غياب الشكل التقليدي لخزانات الملابس، وشحّ الحافظات البلاستيكية، تلعب كراتين الورق المقوى التي تتوافر من طُرود المُساعدات دور الخزانة المؤقتة، لكنها تتطلب انتباهًا خاصًا، فالكرتون نفسه يمتص الرطوبة ويدعم نمو العفن وقد يجذب الحشرات، ولذلك لا يصلح للتخزين الطويل في الأماكن الرطبة إلا بحذر. وعليه؛ يُنصح بعزل الكراتين من الأسفل عبر رفعها عن سطح الأرض باستخدام ألواح بلاستيكية أو خشبية، أو قطع قماش قديمة، أو حتى صفائح فارغة عبرّ صفّ أسطُر من المعلبات لتشكيل أرضية فاصلة، وإبعادها عن جدران الخيمة وعن الأماكن التي قد تتساقط منها قطرات الماء. ويُمكن تبطين الكراتين من الداخل بقطعة نايلون لحمايتها من تسرّب المياه، بشرط أن تكون الملابس جافة تمامًا وألّا يُغلق الكيس بإحكام، لأن النايلون المغلق يحبس أي رطوبة متبقية ويسبّب التكثّف فيتعفّن ما بداخله. وفي حال الشك في جفاف الملابس، يُفضَّل لفّها بقماش قطني أو ترك الكرتون مفتوحًا قليلًا لتجنّب احتباس الرطوبة.

يُشار هُنا، إلى أنّ ما نستعرضه ينطبق على الملابس التي نريد تخزينها للموسم المقبل، بالإضافة إلى الملابس التي نستخدمها يوميًا، فهي أيضًا عُرضة للرطوبة، خاصة في ظروف النزوح القاسية داخل الخيام.

3- طُرق لمنع التعفّن والرطوبة: يُمكن الاستعانة بمواد بسيطة لامتصاص الرطوبة والروائح العفنة داخل الكراتين وطرد الحشرات؛ وهي مواد متوافرة في كل منزل، وإن لم تتوافر فهي موجودة في الأسواق بتكلفة بسيطة جدًا. ومن المهم معرفة أن لكل مادة وظيفة مختلفة، فبعضها يمتص الرطوبة وبعضها يمتص الروائح أو يُعطّر ويطرد الحشرات. نستعرض بعضها وكيفية استخدامها، فيما يلي:

الملح الخشن: من أفضل المواد المتاحة لامتصاص الرطوبة. يوضع في أكياس أو علب بلاستيكية بها ثقوب، أو في قطعة قماش قطنية مربوطة، ويوضع في زوايا الكراتين. ويُنتبه إلى أنه قد يذوب ويسيل عند تشبّعه بالرطوبة، فيُستبدل بآخر جاف عند ذلك، ويمكن تجفيفه تحت الشمس وإعادة استخدامه.

الفحم النباتي: قطع الفحم أو الفحم المطحون، الذي يتوافر غالبًا لاستخدامه في الطهي، يمتص الرطوبة والروائح معًا. يُلفّ بقطعة قماش أو شاش ويوضع في زوايا الكراتين، ويُجفَّف في الشمس من وقت لآخر.

بيكربونات الصوديوم: تمتص الروائح الكريهة جيدًا، لكنها ضعيفة في امتصاص الرطوبة ولا تمنع العفن بحد ذاتها، لذا تُستخدم لإزالة الروائح إلى جانب المواد الماصّة للرطوبة. توضع في علب أو أكياس بها ثقوب، ويمكن إضافة قطرات من زيت عطري عليها.

الصابون الصلب: الصابون ذو الرائحة العطرة النفّاذة يُضفي رائحة منعشة للملابس، ويُستخدم تقليديًا لإبعاد الحشرات، وإن كان ذلك مبنيًا على الخبرة الشعبية أكثر من الأدلة العلمية، ولا يمتص الرطوبة بدرجة تُذكر. يمكن استخدامه كما هو أو تقطيعه/ بشره، ثم وضعه داخل شاش، أو منديل مطبخ ورقي، أو أكياس الأورجانزا/ الشيفون المُخصّصة للهدايا، ويُمكن استخدام قطع من أكياس الخيش أو أكياس الدقيق لاحتوائها على ثقوب دقيقة تؤدّي الغرض. وتُوضَع بين طبقات الملابس.

الأعشاب العطرية المجففة: وهُنا لدينا خيارات واسعة، من داخل المطبخ، بعضها متوافر دومًا والآخر سهل توفيره؛ منها: النعناع المُجفف، الروزماري أو إكليل الجبل، القرنفل، والخُزامى أو اللافندر إن وُجدا. تمتاز هذه الأعشاب برائحتها العطرية وقدرتها على إبعاد الحشرات، وخاصة العثّ، لكنها لا تمتص الرطوبة، لذا يُفضَّل استخدامها مع الملح أو الفحم. وتُستخدم بوضعها في الأكياس التي تحدثنا عنها، أو مناديل مطبخ، أو قطع صغيرة من الشاش. ويُنصح بعدم وضع الزيوت العطرية على الأقمشة مباشرة لأنها قد تترك بقعًا، بل تُوضع على القطن أو على الأعشاب داخل الأكياس.

وتُعد هذه المواد بديلًا اقتصاديًا للمواد أو الأجهزة المخصصة لمقاومة وامتصاص الرطوبة، وكذلك بديلًا طبيعيًا وأكثر أمانًا للمواد الكيميائية التي ينصح الخبراء بتجنّب استخدامها بين الملابس، مثل أقراص النفتالين، فهي مادة سامة يُحتمل أن تكون مسرطنة، وتشكّل خطرًا خاصًا على الأطفال، وعلى من لديهم نقص إنزيم G6PD إذ قد تسبّب لهم انحلال الدم.

4- لحماية قماش الخيام والشوادر، ووقايته من الرطوبة، ومن العفن الذي ينشأ جراء تكثّف بخار الماء داخل الخيمة نتيجة التنفّس والطهي في مساحة ضيقة ومُغلقة، من المهم جدًا الحرص على تهوية الخيمة بشكل دوري كلّما سمحت الظروف الجوية، ومسح الجدران الداخلية بقماش جاف بين الحين والآخر، إلى جانب تفقّد الزوايا التي تتجمع فيها المياه عادةً وتفريغها باستمرار.

ولتنظيف البقع الخفيفة من العفن على قماش الخيمة، يُمكن استخدام محلول من الخلّ الممزوج بكمية مماثلة من الماء، فالخل مطهّر خفيف يساعد على الحد من نمو العفن، لكنه لا يعقّم ولا يطرد الحشرات. يُمسح به القماش بخرقة مبللة قليلًا، دون الإكثار من الرش حتى لا تزيد الرطوبة، ثم تُهوّى الخيمة جيدًا حتى يجفّ القماش تمامًا. ويُفضَّل استخدام الخل وحده دون خلطه ببيكربونات الصوديوم، لأن الخلط يُبطل مفعول كلٍّ منهما. وإن رغبتم بالتخلص من الروائح، فيمكن وضع بيكربونات الصوديوم في علب مفتوحة داخل الخيمة. ويُنصح بتجنّب وضع الزيوت العطرية على قماش الخيمة، فقد تؤثر على الطبقة العازلة للشوادر. ويُمكن استخدام محلول الخل نفسه لتنظيف الأسطح.

وأخيرًا، يبقى الفحص الدوري للملابس المخزّنة وتهويتها كل أسبوعين تقريبًا أهم من أي مادة تُوضع بينها، إذ يُمكّن من اكتشاف أي رطوبة أو رائحة مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتفاقم.

تتكامل هذه التدابير البسيطة وغير المُكلفة لتُشكّل حلولًا ذكية واقتصادية في متناول جميع العائلات، تضمن حماية الملابس وحفظها، كما توفر بيئة ومحيطًا آمنًا صحيًا، في ظلّ واقعٍ إنسانيّ قاسٍ يفرض الكثير من المتطلّبات على النازحين، والاحتياجات اليومية التي لا تنتهي.