في واقعٍ معيشيّ وصلت فيه مُعدّلات البطالة 80%، والفقر 93%، مع فُقدان أكثر من 200 ألف وظيفة، اتّجه العاملون في قطاع غزة للعمل عن بُعد، اعتقادًا بأنّه المُنقِذ وسط دوّامة الأزمات الاقتصادية المتفاقمة وشُحّ فرص العمل الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة. وعلى صعوبة هذا الخيار في بيئة مُتداعية تقنيًا ومدمّرة جغرافيًا، تبرُز تحدّيات من نوع آخر تجعل الخوض في هذا المجال ليس سهلًا.
قبل الحرب في غزة، كان الحصار أنهك القطاعات الإنتاجية ورفع البطالة إلى نحو 45%، لذا شكّل العمل الحرّ عن بُعد منفذًا لا يحتاج إلى تصريح سفر، وبرزت حاضنات رقمية، درّبت الشباب على العمل المُستقلّ ليحقق كثيرٌ منهم دخلًا يفوق الأجر المحلّي بأضعاف.
لكن الحرب اندلعت في أكتوبر 2023، ودمّرت خلالها إسرائيل شبكات الاتصالات وخطوط الكهرباء والبنى التحتية. وبسبب هذا الواقع الجديد والنزوح الجماعي وفقدان المُعدّات، توقّف معظم العاملين عن بُعد عن العمل لفترات طويلة، قبل أن يُحاولوا العودة إلى أعمالهم مؤخرًا.
وانضمّت لهؤلاء العاملين فئات جديدة وجدت في سوق العمل الرقمي الباب شبه الوحيد المفتوح أمامهم لتوفير مصدر دخل، في خضمّ تردّي الأوضاع المعيشية والعجز الحاد في فرص العمل، خاصة مع تزايد مساحات العمل الرقمية بغزة خلال العام الأخير.
وفي هذه الرحلة التي صارت محفوفة بصعوبات وتحدّيات جديدة، وفق مراقبين، تتعلّق بظروف العمل ومستوى الأجور وغياب القانون الناظِم، يبرز تساؤلٌ مهم: كيف يحمي العامل عن بُعد نفسه من خطر التعرّض للاستغلال من المُشغّلين خلال عمله من قطاع غزة؟
علامات وجود استغلال
نبدأ بالتمييز بين ضغط العمل الطبيعي والاستغلال الوظيفي، ويُفرّق بينهما استشاري التنمية البشرية، سعيد أبو غزّة، من واقع خبرته في إدارة الموارد البشرية، بالإشارة إلى أن ضغط العمل ليس بالضرورة استغلالًا، فالعمل قد يتطلب ساعات إضافية أو مرونة في بعض المراحل وفي بعض الظروف الاستثنائية، مثلما تمرّ به غزة منذ ثلاثة أعوام، وهو ما يتطلب عملًا دؤوبًا ومرونة في ساعات العمل. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وتصبح العلاقة غير متوازنة بصورة مستمرة.
لذا، يُبيّن أبو غزّة مجموعةً من المؤشرات التي تستحق الانتباه خلال العمل عن بُعد من داخل قطاع غزة، والتي تُعد من دلالات وجود استغلال، أو وضع غير طبيعي. وفي مقدمة هذه المؤشرات: العمل لساعات مفتوحة دون اتفاق واضح أو حدود معقولة، وتكليف الموظف بمهام متزايدة لا تتناسب مع طبيعة وظيفته أو أجره، وتأخير الراتب أو عدم وضوح آلية الدفع، والعمل دون عقد أو إثبات واضح لطبيعة العلاقة المهنية.
ويندرج تحت العلامات التي تعكس وجود استغلال، كما يسردها أبو غزّة: تغيير شروط العمل بعد البدء دون اتفاق، بالإضافة إلى تحميل الموظف مسؤوليات وصلاحيات غير متوازنة، واستخدام الخوف من البطالة أو استبدال الموظف للضغط عليه لقبول أي شروط، وعدم احترام الإجازات أو الراحة أو الحياة الشخصية بصورة مستمرة.
ويُضيف أنّ التهديد أو الإهانة أو الابتزاز أو العقاب عند المطالبة بالحقوق، ومطالبة الموظف بتحمل مسؤوليات مالية أو إدارية دون صلاحيات مقابلة، جميعها تُعدّ علامات على وجود علاقة عمل غير طبيعية تتطلّب إعادة النظر والتقييم، أو اتخاذ موقف.
لكن مع وجود هذه المؤشرات المتعددة، ما المؤشر الأهمّ من بينها؟ يُجيب أبو غزة بأنه: "عندما تصبح العلاقة قائمة على معيار (أنت بحاجة إلى العمل، لذلك عليك أن تقبل كل شيء)، فنحن نقترب من الاستغلال وخاصة في الظروف الاقتصادية الصعبة".
تمسّك بالمرونة لكن بحدود
وعليه تتطلب العلاقة المهنية، خلال العمل عن بُعد، الموازنة بين الحاجة للعمل ووضع حدود تحمي من الاستغلال، وهي نقطة شديدة الأهمية، كما يصف أبو غزة: "لأن النصيحة المثالية من نوع (إذا لم يعجبك العمل، اتركه) ليست واقعية بالنسبة لكثير من الشباب، وبالأخص في واقع غزة".
وينصح استشاري التنمية البشرية العاملين عن بُعد بإبداء مرونة، لكن بشرط، فيقول: "كُن مرنًا، لكن لا تكن بلا حدود؛ إذ يمكنك قبول ظروف استثنائية في أوقات معينة ومحددة، خصوصًا لو كنت في بداية مسارك المهني، لكن يجب أن تعرف ما يندرج تحت بند الاستثناء المؤقت، وما هو نمطٌ دائم من الاستغلال الذي لا يجب القبول به كإنسان".
ويرى أنّ على الموظف عن بُعد وضع 3 حدود واضحة للحماية من الاستغلال:
الأول: حد مالي؛ ما الأجر؟ متى يُدفع؟ وكيف؟
الثاني: حد وظيفي؛ ما حجم وطبيعة المهام والمسؤوليات التي أوافق عليها؟
الثالث: حد زمني؛ ما ساعات العمل المتوقعة؟ ومتى يصبح العمل الإضافي استثناءً يحتاج إلى اتفاق؟
وإذا اضطُرّ العامل إلى قبول شروط صعبة، فينصحه الخبير بأن يكون ذلك بوعي وإدراك، وأن يكون مؤقتًا وباتفاقٍ واضح، مع الاحتفاظ بإمكانية تطوير وضعه أو الانتقال إلى فرصة أفضل.
ويدفعنا هذا إلى الحديث عن نقطة مهمة في سياق المقبول والمرفوض في حدود علاقة العمل عن بُعد؛ لذا، سألنا الخبير: كيف يتفاوض الشباب بحرفية على حقوقهم الأساسية؟ ليُشير قبل الإجابة على هذا التساؤل إلى أن "التفاوض المهني لا يعني أن تبدأ العلاقة مع صاحب العمل بالمطالبة والشكّ، وإنما أن تبدأها بالوضوح".
ويُوجّه أبو غزة للعاملين عن بُعد مجموعة نصائح قبل قبول الوظيفة، أولاها أن يسأل الجهة المشغلة الأسئلة التالية، بمهنية وهدوء:
ما طبيعة المهام الأساسية؟ ما ساعات العمل المتوقعة؟ ما قيمة الأجر؟ متى وكيف يتم الدفع؟ هل توجد فترة تجربة؟ هل هناك عقد أو اتفاق مكتوب؟ كيف يتم التعامل مع العمل الإضافي؟ ومن هو المسؤول المباشر عني؟ وماذا ستضيف لي هذه الوظيفة لتطور من قدراتي؟
والأهم أن يتعلّم الشاب لغة التفاوض المهنية، فبدل أن يقول للمُشغّل: "لن أعمل أكثر من هذا"، يمكنه القول: "حتى أستطيع الالتزام بجودة العمل، أحتاج أن نتفق مسبقًا على ساعات العمل الأساسية وآلية التعامل مع أي ساعات إضافية".
وبدل عبارة "أريد راتبي كاملًا"، يُمكن القول: "حتى تكون العلاقة المهنية واضحة للطرفين، أفضّل أن نتفق كتابةً على قيمة الأجر، وموعد وآلية الدفع". فالتفاوض المهني ليس صراعًا، إنّما هو إدارة توقعات وبناء وضوح.

احمِ حقّك بالتوثيق
ما أبسط وسائل الحماية والتوثيق عند غياب العقد الرسمي؟ وهو سؤالٌ مشروع في ظل وجود الكثير من علاقات العمل عن بُعد غير المحكومة بعقود نظامية موثّقة، بحسب الخبير، الذي يلفت إلى أن "غياب العقد النظامي لا يعني أن الموظف يجب أن يعمل بلا أيّ أثر مكتوب واتفاق موثّق".
وينصح بما وصفه "الحدّ الأدنى"، وهو إنشاء العامل عن بُعد "ملف علاقة العمل"، والاحتفاظ فيه بكل الوثائق التي تثبت وجود العلاقة وطبيعتها وتفاصيلها، مثل: رسائل القبول بالعمل، ورسالة تحديد الراتب، ورسائل واتساب أو البريد الإلكتروني المتعلقة بالمهام، وتكليفات العمل، وجداول الدوام أو الحضور، وتقارير الإنجاز، وكشوف أو إيصالات الدفع أو صور الحوالات الإلكترونية، وأي مراسلات تثبت تاريخ بدء العمل وطبيعته، وأسماء الأشخاص الذين تعاملوا مع الموظف ومسؤولياتهم.
ويُضيف: "يمكن أيضًا إرسال رسالة واتساب أو إيميل بسيط عند بدء العمل، للتأكيد والتوثيق، ويُمكن أن يكون نصّها كالتالي: أودّ التأكد من أن اتفاقنا يتضمن العمل في وظيفة (...)، مقابل أجر (...)، وبآلية دفع (...)، وساعات عمل (...)، على أن يبدأ العمل بتاريخ (...). وفي حال وجود أي تعديل، أتمنى إبلاغي به مسبقًا".
هذه الرسالة، كما يُوضّح أبو غزة، على بساطتها قد تكون أكثر قيمة من اتفاق شفهي لا يمكن إثباته. مع ملاحظة مهمة، وهي أن القوة القانونية لهذه المستندات تختلف بحسب قانون البلد وطبيعة علاقة العمل. لذلك ينبغي، في حالة وجود نزاع عمل، الرجوع إلى جهة قانونية مختصة أو جهة تحكيم معتمدة لتوثيق الملف.
ماذا تفعل إن وقع استغلال؟
سألنا المختصّ هذا السؤال، خاصة وأنه من المعروف في مجال العمل عن بُعد أن السّمعة المهنية للموظف هي رأس ماله في كثير من الأحيان، فكيف يتصرّف في حال وقع الاستغلال، أو اختلف مع الجهة المشغلة، دون أن يخسر حقوقه أو سمعته المهنية؟
يُجيب أبو غزة: "في هذه الحالة أنصح دائمًا بالتعقّل، واتباع التدرّج في ردة الفعل المهنية، لا المواجهة الانفعالية"، ويسرد لنا هذا التدرّج، وفق ما ينصح به العاملين عن بُعد، كالتالي:
أولًا: وثّق كل ما تحتاجه لإثبات حقك.
لا تدخل في مواجهة قبل أن تُجمّع وتوثّق كل ما يثبت الأجر والمهام وساعات العمل والتأخير أو المخالفة.
ثانيًا: تحدّث رسميًا وبهدوء.
واتبع التسلسل الإداري في التواصل، أي ابدأ مع المسؤول المباشر، ثم الموارد البشرية أو الإدارة إذا كانت موجودة.
ثالثًا: حدّد المشكلة والحلّ المطلوب.
لا تقُل فقط: "أنا مظلوم"، بل عليك القول: "هناك مستحقات عن الفترة (...) لم تُدفع حتى الآن، وأحتاج تحديد موعد واضح للسداد". أو قُل: "المهام الحالية تجاوزت نطاق الاتفاق الأصلي، وأرغب في إعادة تحديد المسؤوليات والأولويات".
والمقصود هنا استخدام لغة عقلانية وسطيّة ومهنية للمطالبة بالحق، بدون أن تُغضِب صاحب العمل، وبدون أن يُسجَّل عليك خطأ لفظي أو شُبهة إهانة.
رابعًا: اجعل التواصل مكتوبًا.
حتى لو كانت رسائل نصية أو محادثة واتساب، عندما يكون الأمر متعلقًا بالحقوق. فبعد النقاش الشفهي عن المهام والمواعيد والأجر، يمكنك إرسال رسالة مختصرة توثق ما تم الاتفاق عليه.
خامسًا: تجنّب التشهير أو التهديد.
وإن كنت مظلومًا، فإن نشر الاتهامات على وسائل التواصل الاجتماعي قد يحول مشكلة مهنية إلى مشكلة أكبر، وقد يؤثر على سمعتك المهنية.
سادسًا: استخدم قنوات التصعيد المناسبة.
إذا لم تُحل المشكلة بعد التواصل مع المسؤول المباشر، يمكن اللجوء تدريجيًا إلى الموارد البشرية، أو الإدارة العليا، أو جهة عمالية أو حقوقية أو قانونية مُختصّة، بحسب طبيعة الحالة والقانون المحلي.
ويختم المختصّ بقاعدة مهمّة ومختصرة لكل ما سبق، للعاملين عن بُعد بالعموم، والعاملين في هذا المجال من قطاع غزة خاصة: "احفظ حقك، لكن لا تحرق جسورك. ووثّق قبل أن تُواجِه، وفاوِض قبل أن تصطدم، وصعّد بطريقة مهنية عندما يصبح التصعيد ضروريًا".