مع بداية فصل الخريف، تبدأ النسمات الباردة بالتسلّل إلى الأجواء، خاصة في ساعات الفجر وما بعدها، ولهذه الأجواء التي يعتبرها الكِبار لطيفة ومُحبّبة، وجهٌ قاسٍ على الأطفال، وخاصة النازحين في الخيام المهترئة، والمنازل المُتضررة المُغلقة بشوادر بالية لا تحجب الهواء البارد، الذي يتسلّل عبرها مُتسبّبًا لهم بالأمراض.
لهذا تجد الأمّهات الغزّيات أنفسهنّ في مواجهة يومية مع المشكلات الصحية. لكن إصابة الطفل بالمرض ليس الهمّ الوحيد للأهل، في هذه الظروف التي تعصف بغزة، حيث النزوح والتشتّت والفقر، فالهمّ الأكبر هو صعوبة الوصول للمراكز الصحيّة في كثير من الأحيان بسبب انعدام الأمن أو مشقّة الطُرق المدمرة، أو شحّ الأدوية، ولو تحدّثنا عن المُضادات الحيوية التي تُعد العلاج الأوّل للأمراض الموسمية، فهي مرتفعة الثمن قياسًا بالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمرّ فيها العائلات.
لماذا تزيد أمراض الأطفال في الخريف؟
يرى الأطباء أن هذا الفصل أصعب من الشتاء، لأن تقلب الجوّ فيه يكون متتاليًا وغير مستقر، ويتّسم الخريف بهواء أكثر برودة وجفافًا، وهي البيئة التي تميل الفيروسات التنفسية للانتشار فيها، وبالتالي تزيد الأمراض. كما أن هذا الجفاف يصل إلى داخل الجسم ويُصيب الممرات الأنفية وبالتالي يُقلّل دفاع الجسم الطبيعي ضدّ العدوى.
ويُوجد سبب إضافي متعلّق بالأهالي، وهو إغفالهم في هذه الأيام تحصين أطفالهم بالملابس ومشروبات المناعة كما يفعلون في فصل الشتاء. ويُضاف إلى هذا كون الخريف موسم إنتاج حبوب لقاح النباتات البرية التي تتسبب بحساسية الأنف والصدر.
وفي بيئة غزة، يزداد خطر الإصابة بالأمراض في كل أوقات السنة، وهو الواقع الذي أنتجته الحرب، بحسب استشاري الجهاز الهضمي والكبد، الطبيب المصري أسامة فكري، الذي تحدّث عن "16 مرضًا يُهدد أهل غزة بسبب القصف وتلوث الهواء والماء"، في مقالة لموقع اليوم السابع. يُفاقم هذا تكدّس 2.15 مليون نازحٍ في حوالي 40% من مساحة القطاع، يعيش في مراكز إيواء تفتقر لأدنى المقومات الصحية، وخيام مهترئة ومنازل مدمّرة.
ولا تقف المعاناة عند هذا، فمع عودة الأطفال للمدارس والخيام التعليمية، ترتفع احتمالية إصابتهم بالمشكلات الصحية التي تنتقل بالعدوى، وفق مقالٍ منشور على موقع وزارة الصحة الفلسطينية.
لهذا، وبعد توضيح مُختصر لماهية الأمراض التي قد تُصيب أطفالنا في فصل الخريف، نُقدّم لكم نصائح لتعزيز مناعتهم، وطُرقًا وقائية وعلاجية للتعامل الأسلم مع ما قد يُصيبهم من أعراض صحيّة، بدون أدوية.

أمراض الخريف عند الأطفال
الحساسية: وهي ردود فعل من الجسم استجابة لمؤثرات خارجية أو داخلية، منها التغير المفاجئ في الطقس، والغبار الموجود في الجوّ، ومن أعراضها: العطاس وسيلان الأنف، واحتقان الحلق، والسعال، وضيق في التنفس، وحكّة وتدميع العينين، وحكة الأنف والصداع.
وقد تتطور الأعراض إلى نوبات ربو، التهاب في الأذن الوسطى، التهابات الجيوب الأنفية، اللّحميات الأنفية أو حساسية بالعين، الإصابة بالخمول العام وفقدان النشاط والحيوية، والأرق.
نزلات البرد (الإنفلونزا): وسببها الفيروسات المختلفة التي تنتشر في فصل الخريف، وغالبًا ما يبدأ نشاط الإنفلونزا بالازدياد في شهر أكتوبر. وأعراضها: سيلان أنفي كثير مصحوب بآلام في الرأس، وعطاس متكرر، وانسداد بالأنف، إحساس بالغ بالإعياء، مصحوب بآلام مفاصل، وحرارة.
الأمراض التي تنتقل في المدارس/ الخيام التعليمية: بفعل انتقال الجراثيم بواسطة الأيادي الملوثة، والتلوث في الجو ودورات المياه. وبحسب مقالة وزارة الصحة، غالبًا تكون هذه الأمراض: جلدية، ونزلات برد، وحساسية، ونزلات معوية. وكذلك ينتشر القمل بين الأطفال في هذه الفترة.
الوقاية وتعزيز المناعة أولًا
1. ارتداء الملابس الملائمة للطقس: انتقاء ملابس وسَطية للطفل (لا صيفية ولا شتوية)، ويفضّل قطنية وطرية، والانتباه لعدم سير الطفل حافي القدمين لتجنب البرد.
2. تجنب التعرض للتيارات الهوائية الباردة: خاصة بعد استحمام الطفل، مع تجنب استحمامه صباحًا قبل الذهاب للمدرسة ولا ليلًا إن كان الجو باردًا، والانتباه لضرورة تجفيف رأس الصغير وجسمه جيدًا. وكذلك تهوية المنزل أو الخيمة/ مكان النزوح عدّة مرات خلال النهار، لتجديد الهواء وتقليل احتمالية العدوى، كما يُوضّح استشاري الحساسية والمناعة، أمجد الحداد، في مقالة لجريدة الأهرام.
3. النظافة الشخصية للطفل: وهُنا لا يقتصر الأمر على حرص الأهالي على تنظيف أطفالهم، فتوعية الأطفال أنفسهم وتعليمهم كيفية تنظيف ذواتهم لا تقل أهمية، مثل: غسل اليدين بشكل متكرر، تغطية الفم والأنف عند السعال، الحفاظ على أظافر قصيرة، وحمل المناديل الورقية خارج المنزل.
ولتعلّم هذا، بالإمكان الاطّلاع على موضوعات عديدة تتضمّن كيفية تعليم الأبناء تنظيف أنفسهم بطرق مباشرة وسهلة؛ يشمل هذا تدريب الأطفال في عمر صغير، وكذلك توجيه الأطفال الكبار والمراهقين.
4. التغذية السليمة قدر الإمكان: بالإكثار من تناول ما يتوافر من أغذية دعم المناعة، مثل الخضروات والفاكهة والحبوب الكاملة والعسل، وكذلك المشروبات العشبية، والشوربات ومرق الدجاج كلّما توافر. فكما يُبيّن استشاري التغذية العلاجية، وائل سعيد، في مقالة لجريدة الأهرام: "الالتزام بنظام غذائي متوازن يُعزز المناعة ويُساعد الجسم على مقاومة نزلات البرد والإنفلونزا". وبالنسبة للرُّضع، فأفضل مناعة لهم هي الرضاعة الطبيعية.
وفي حديثه، حذّر الطبيب سعيد من التعامل مع المكملات الغذائية باعتبارها وسيلة أساسية لتقوية المناعة لدى الأطفال، فاستخدامها يكون حصرًا بعد الفحص والتأكد من وجود نقص ما، أو حالات سوء التغذية تحت إشراف طبي.
5. النوم الكافي: من المهم الحفاظ على نوم الطفل بشكل كافٍ يوميًا، مما يُعزز صحته الجسدية، بحسب مقالة لاستشارية طب الأطفال أمل الخريسات، على موقع "طبّي" تحدثت فيه عن العدد الكافي من ساعات النوم لكل مرحلة عمرية.

علاج مضمون.. بدون أدوية
حين تغيب الأدوية وتتعذر زيارة المراكز الصحية، تصبح التدابير المنزلية خط الدفاع الأول للأم في غزة. لذا جمعنا لكم هنا أبرز الطرق الطبيعية، وفق نصائح الأطباء وخبراء التغذية، للتعامل مع أمراض الخريف:
1. لعلاج الحساسية وضيق التنفّس:
تدفئة الصدر وتدليكه بزيوت طبيعية: عند ملاحظة بدء السعال أو ضيق التنفس الخفيف، تلجأ الأمهات والجدّات إلى تدليك صدر الطفل وظهره بحركات دائرية خفيفة باستخدام زيت الزيتون الدافئ المخلوط بقليل من حبة البركة، أو زيت السمسم، لو توافر، وهذه طريقة شعبية متوارثة ومُجدية في تخفيف الأعراض وتحسين النوم.
البخار الطبيعي المهدئ: لفتح المجاري التنفسية المسدودة وتخفيف الكحة وتسهيل عملية التنفس، من خلال غلي الماء، ويُمكن إضافة قليل من أوراق النعناع أو البابونج فيه، وجعل الطفل يستنشق بخارها (بحذر شديد ومن مسافة آمنة لضمان عدم تعرضه لأذى).
الابتعاد عن المهيجات: إبعاد الطفل المريض عن مصادر الدخان، وخاصة دخان الحطب، أو دخان السجائر. والتأكد من ارتداء الطفل جوارب، ولو لم تتوافر الجوارب يُمكن لفّ قدمي الطفل بقطعة قماش خفيفة لمنع تسرّب البرد الذي يُفاقم نوبات الكحة.
2. لعلاج البرد والإنفلونزا من المطبخ:
المشروبات الدافئة (للصغار فوق السنة): مغلي الينسون، البابونج، الزعتر، القرفة، الحلبة، الكاكاو، مع قليل من العسل إن توافر، فهذه المشروبات الدافئة قد تُريح حلق الطفل وتُخفّف من إحساسه بألم البلع والكحّة، وتمنحه دفئًا داخليًا يُشعره بالراحة أثناء المرض، كما يستعرض استشاري طب الأطفال، حاتم فاروق.
المحلول الملحي كغسول للأنف: ويُمكن استخدامه بتعبئة حقنة فارغة "سرنجة"، أو الجهاز المخصص، بمحلول ملحي (المكونات: كوب ماء مغلي ومبرّد مع نصف ملعقة صغيرة ملح، ويُمكن إضافة بيكربونات الصودا) ثم تفريغه سريعًا في إحدى فتحتيْ الأنف، لتخرج تلقائيًا من الفتحة الأخرى. وذلك للتخلص من المخاط العالق وفتح مجرى التنفس. وهُنا توضيح بصري موثوق لطريقة استخدامه مع الأطفال الصِّغار. مع الإشارة إلى أن هذه الطريقة آمنة، وفعاليتها مثبتة علميًا، وفق دراسة منشورة لدى الجمعية الأمريكية للطبّ، خاصة لعلاج أمراض الجهاز التنفسي العلوي: كالتهاب الجيوب الأنفية، والتهاب الأنف التحسّسي. وتوضّح الدراسة ذاتها أيضًا طريقة استخدامه.
الكمادات الفاترة لخفض الحرارة: في حال ارتفعت حرارة الطفل نتيجة الإنفلونزا، يُمنع استخدام الماء المثلج تمامًا؛ ويُكتفى بالكمادات الفاترة على الجبهة وتحت الإبطين لخفض الحرارة تدريجيًا وبأمان.
الشوربات: التركيز على إعطاء الطفل سوائل دافئة، مثل شوربة الخضار أو الدجاج كلّما توافرت، لتعويض ما يفقده الجسم من عناصر ومعادن، ومساعدته على محاربة الإعياء.
3. التعامل مع النزلات المعوية واضطرابات الهضم:
الحذر من الجفاف: وهو ما تحدّثنا عنه في مقالة سابقة في "آخر قصة"، خاصة عند تعرّض الطفل للإسهال أو لاضطراب معوي، لتجنّب إصابته بالجفاف الناتج عن فقدان كميات من السوائل والأملاح. ويمكن تحضير محلول جفاف منزلي بطريقة بسيطة وموثوقة، وفق ما يُوضّحه استشاري طب الأطفال، أحمد الشرقاوي، عبر خلط لتر من الماء النقي المغلِي والمبَرَّد، مع نصف ملعقة صغيرة من الملح، وملعقتَي طعام كبيرتين من السكّر (أو 6 ملاعق صغيرة)، وتقديمه للطفل على دفعات أو رشفات.
الاعتماد المطلق على الرضاعة الطبيعية للرُّضّع: تظل الرضاعة الطبيعية المتكررة هي العلاج الأول والدّرع الواقي الأقوى لوقف تفاقم أي مرض، وفق دراسة علمية منشورة على الجمعية الوطنية الأمريكية للطبّ، إذ يمدّ حليب الأم الطفل بالأجسام المضادة الفورية التي تقيه وتعالجه من مسببات الأمراض، ومنها الجراثيم والفيروسات الموسمية.
أطعمة خفيفة كخطوة أولى: للأطفال الأكبر سنًا، يمكن البدء بأطعمة سهلة الهضم كخطوة أولى مؤقتة، وفق المتوفر منها، مثل: الأرز الأبيض المسلوق أو البطاطس المهروسة، والمقرمشات المملّحة، والشوربات، وفق ما تُوضّحه الاختصاصية في التغذية سهام عيسى، في مقابلة تلفزيونية، على أن تعود الأم تدريجيًا بنظام الطفل الغذائي المعتاد بمجرد تحسّن الأعراض، بدل الاقتصار على هذه الأطعمة وحدها لفترة طويلة، لأن استمرارها قد يُبطئ التعافي بدل تسريعه، مع أهمية الابتعاد تمامًا عن الأطعمة الدسمة والمصنّعة أو المليئة بالسكريات، لأنها تزيد من حدة الاضطراب.
ختامًا، يُثبت الواقع الميداني أن الاعتماد على التدابير المنزلية المناسبة، خاصة المُثبتة علميًا، يظلّ طوق النجاة الأبرز للأمهات لحماية أطفالهن من أمراض الخريف، في ظلّ شح الأدوية وغياب البدائل العلاجية المتاحة.