"البحر عذاب في الشتاء".. تردد ياسمين مصبح وهي تقف على باب خيمتها تتأمل الأمواج وكلما ارتفع صوت الموج تذكرت صوته الذي يتضاعف في الشتاء، فينقبض قلبها، في موسم الشتاء الماضي غرقت خيمتها من هذا الموج الذي تتأمله الآن، وصفعت الرمال وجهها وأطفالها وتسللت إلى أعينهم، فيما قذفت الرياح الخيمة أرضًا، وتسربت الأمطار لكل شيء، تستذكر كل هذا في بضع ثوان فترتجف وكأنها تعيش الآن برد كانون الثاني.

تعيش مصبح وأطفالها الثلاثة منذ نزوحها من بيتها على شاطئ البحر، كانت تسكن في عبسان الكبيرة شرق محافظة خانيونس، واليوم لديها خيمة في منطقة المواصي غربًا، حاولت البحث عن مكان آخر بعيدًا عن البحر الذي يغرقهم في الشتاء وتطالهم أمواجه العاتية لكن كل محاولاتها فشلت.

تقول مصبح التي لم تعد ترى البحر كما كانت تراه بشاعريته وأجوائه الشتوية: "نحن نعاني طوال فصل الشتاء، من الأمطار وموج البحر والرياح الشديدة، هذا الشتاء الثاني لي هنا، نحاول أن نأخذ احتياطاتنا لكن البحر يغدر بنا كل مرة، نضع الأكياس الرملية لكن لا فائدة منها يطير كل شيء ونغرق".

لم تنس الأرملة مصبح كيف تسللت الأمواج نحو خيمتها، بينما كانت هي وأطفالها غارقين في النوم، حتى باغتهم الماء وأغرق فراشهم، تجمع الناس لإخراج أطفالها، وقد ابتلت أجسادهم وتجمدت أطرافهم من شدة البرد، ليجدوا أنفسهم في الشارع، ومع حلول الصباح، اتضحت قسوة المشهد أكثر، الخيمة والشوادر ملقاة على الأرض، والأغراض مبعثرة وقد غمرتها الرمال والمياه، وتحتاج الخيمة لإعادة نصبها من الصفر ربما للمرة العاشرة.

اضطر آلاف النازحين إلى نصب خيامهم بالقرب من شاطئ البحر، وهذا يثير مخاوف متزايدة بشأن المخاطر المناخية التي تهدد سلامتهم، في ظل التوقعات بارتفاع مستوى سطح البحر، واشتداد الأمواج والعواصف البحرية، وتزيد هذه المخاطر من قلق النازحين، الذين يعيشون في خيام لا ترقى لمستوى أن يعيش فيها أي شخص كان، ويواجهون صعوبة في التكيف مع تداعيات التغيرات المناخية ومخاطر البحر، وهنا يبرز السؤال الرئيسي: هل تجعل التغيرات المناخية خيام النازحين على ساحل غزة أكثر عرضة للضرر؟

شتاء مهدّد

أما السيدة لقاء أبو صهيب نزحت 9 مرات خلال عامين النزاع، حتى استقر بها المطاف في خيمة أمام شاطئ البحر في الزوايدة وسط قطاع غزة، قضت الشتاء الماضي على البحر، إن لم تغرق خيمتها بفعل الأمطار، تغرقها الأمواج العاتية.

تروي وهي تغرس قدميها في رمل الشاطئ: "كنت أحب البحر جدًا لكنني اليوم أمتعض منه لا أستطيع أن أقول أكرهه، لكن الأمواج غدرت بنا الشتاء الماضي، وأخاف الشتاء هذا أن تغرقنا أيضًا، لدي طفلين من مواليد الحرب أخاف عليهم من المرض الذي يسببه برد الشتاء".

فيما يقف نادر النجار، أب لستة أطفال، على ميناء غزة، ينظر للخيام على امتداد البصر، ويقول: "أتمنى أن أجد مكان آخر بعيد عن البحر، لو يتراجعوا من الخط الأصفر وأعود لبيتي في جباليا البلد، وأنصب خيمتي هناك، هذا الشتاء الثاني لي هنا، في كل منخفض جوي خلال الشتاء الماضي لم أكن أنام خوفًا من أن نغرق بالموج، وتدمر الخيمة على رؤوسنا".

وبحسب الأمم المتحدة فإن مستوى سطح البحر يرتفع نتيجة لتأثيرات تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، وتقول الأرقام إنه "بين عامي 2014 و2023، ارتفع مستوى سطح البحر عالميًا بمقدار 4.7 ملم سنويا، وفي عام 2024، سجل ارتفاعا قياسيا بلغ 5.9 ملم".

في السياق ذاته، قال مساعد الأمين العام في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، نافيد حنيف إن "مستويات سطح البحر تشهد ارتفاعًا متسارعًا مدفوعًا بتغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية والاحترار الاستثنائي للمحيطات، وهذا لم يعد خطرًا مستقبليًا، بل هو واقع قائم يتطور بسرعة".

ووفقًا للتوقعات الأممية فإنه قد يتهجّر ما يصل إلى 1.2 مليار شخص عالميًا بحلول عام 2050، وقد يصل ارتفاع منسوب مياه البحر إلى نحو مترين بحلول نهاية القرن في أسوأ السيناريوهات.

من ناحية أخرى، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن اختفاء اليابسة وتملّح المياه العذبة قد يغذيان التنافس والصراع والنزوح الجماعي.

هذا الوضع عالميًا، فيما غزة ووضعها الهش لن يتحمل ما تقوله الأرقام العالمية فيما يتعلق بارتفاع منسوب البحر، هنا تبدو المخاطر أكثر تعقيدًا، فآلاف النازحين يعيشون في خيام نُصبت بمحاذاة الشاطئ، وعلى مسافة قريبة جدًا من مياه البحر.

أرقام مقلقة

ووفقًا لـمركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة، رصدت صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 15 ديسمبر 2025 و11 يناير 2026 تم تحديد 283,566 ملجأً وخيمة في قطاع غزة من خلال صور الأقمار الصناعية منها 148,648 في خان يونس، و81,921 في دير البلح، و32,204 في محافظة غزة. 

ويقول المركز في تحليل أُجري بطلب من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا): "نُقدر أن 76,509 ملجأ على الأقل قد تأثرت بمياه الفيضانات أو كانت مُعرضة لها بشكل مباشر، وتم تحديد ما يقارب 40,670 خيمة بالقرب من الشاطئ في مناطق معرضة بشدة لخطر مد العواصف البحرية والرياح العاتية، لا سيما في محافظة خان يونس 21,362 خيمة ودير البلح 12,553 خيمة، وحوالي 850,499 شخصًا تعرضوا للفيضانات، و219,746 شخصًا تعرضوا لمناطق معرضة بشدة لخطر مد العواصف البحرية وتأثير الرياح"، وذلك وفق تحليل قائم على صور الأقمار الصناعية.

غير أن ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا، الذي يُقاس بالملّيمترات سنويًا، لا يفسّر وحده غرق الخيام في الشتاء الماضي؛ فالخطر الراهن ناتج أساسًا عن نصب الخيام على أرض منخفضة قريبة من خط الماء، مع المنخفضات الجوية ومد العواصف وتضرر شبكات التصريف. أما تغير المناخ فيضيف خطرًا متزايدًا على المدى الأبعد، كما يوضح المختصون فيما يلي.

مخاطر متداخلة

من ناحية مناخية بيئية، يقول المختص البيئي نزار الوحيدي: "تكتسب الجغرافيا في قطاع غزة اليوم بعدًا حرجًا فبينما تحولت سواحل مدينة غزة ودير البلح وسط القطاع والمواصي جنوبًا إلى الشريط الأكثر اكتظاظًا، تظهر الأرقام العلمية أن هذه المناطق تقع مباشرة في نطاق "الانغمار الساحلي" (Coastal Inundation)".

ويوضح أنه وفقًا للقراءات الهيدرولوجية، فإن الشريط الساحلي الممتد من الشمال إلى الجنوب يفتقر حاليًا في معظمه إلى سواتر خرسانية أو مصدات للموج، مما يجعل الخيام الخط الدفاعي الأول والأخير أمام ظاهرة "مد العواصف". ومع كل منخفض جوي، ترتفع الأمواج لتتجاوز خط الشاطئ الطبيعي، جارفة معها العشرات من الخيام ومحولة الرمل من تحت أقدام النازحين إلى مصايد طينية.

ويشرح الوحيدي أن المخاطر لم تقتصر على البحر، إذ يتقاطع غضب الطبيعة مع الطبوغرافية التاريخية لغزة، حيث وادي غزة ووادي السلقا يمثلان الشرايين الطبيعية لتصريف مياه الأمطار القادمة من المرتفعات الشرقية، ومع استقرار آلاف الخيام في بؤرة هذه المجاري، فإن أي تدفق سيول مفاجئ يتحول إلى جدار مائي يجرف كل ما اعترضه، أما الشوارع الرئيسية كـ "شارع بيروت" و"شارع الرشيد" الساحلي و"شارع النصر" تحولت بفعل تدمير شبكات تصريف الأمطار إلى مسارات بديلة للسيول، تنقل آلاف المترات المكعبة من المياه الراكدة والمخلوطة بالصرف الصحي مباشرة نحو تجمعات الخيام المنخفضة.

وعلى الصعيد العلمي، وبحسب الوحيدي فإن الأبحاث المناخية المتعلقة بحوض البحر الأبيض المتوسط تؤكد أن المنطقة تشهد تحولًا متسارعًا نحو نمط "المناخ المتطرف". لم تعد الأمطار تسقط بنسق منتظم، بل على شكل زخات غزيرة وهطول مركز في ساعات معدودة، وهذا التغير المناخي يضاعف الخطر على خيام النازحين من ثلاث زوايا علمية حاسمة: أولاها ارتفاع منسوب سطح البحر الذي يسببه الاحترار العالمي، ويؤدي إلى تآكل مستمر في الجروف الرملية الساحلية، مما يقلص المساحة الآمنة للخيام ويدفع الأمواج أعمق نحو اليابسة.

ويكمل: "وبسبب تواتر العواصف البحرية، تتزايد شدة الرياح وسرعتها وهذا يؤدي إلى اقتلاع الأنسجة البلاستيكية الهشة التي صنعت منها الخيام، مجردة قاطنيها من أيسر درجات الحماية الحرارية، وأيضًا انهيار التربة والنحر الساحلي [...] ما يحول المرتفعات الساحلية الصغيرة إلى جروف آيلة للسقوط والتداعي تحت ثقل أوتاد الخيام نفسها".

في غزة، لا يواجه الغزيون تداعيات التغير المناخي كما يحدث في مناطق أخرى من العالم، حيث تتوافر مساحات بديلة يمكن اللجوء إليها مع ارتفاع منسوب سطح البحر، بل يجدون أنفسهم في قلب العاصفة، محاصرين بمخاطر تتفاقم، في ظل غياب حلول تلوح في الأفق لإنقاذ الآلاف الذين يعيشون في خيام هشة، تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية من العواصف العاتية والأمواج التي تتقدم نحو اليابسة، لتجعل من كل شتاء تهديدًا جديدًا لحياتهم.