يقف أبو فادي العطار على شاطئ بحر غزة، يراقب الصيادين في عرض البحر، فتأخذه الذاكرة إلى السنوات التي كان فيها صاحب مزرعة للاستزراع السمكي. بدأت تجربته عام 2006، لكنها توقفت بعد تدمير محطة الكهرباء، قبل أن تعود المزارع إلى العمل بعد ابتكار حلول لأزمة الطاقة.

في عام 2010، خاض العطار تجربة جديدة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وأنشأ حوضًا مساحته 500 متر مكعب. نجحت التجربة، وانتشرت بعدها مزارع الاستزراع السمكي في القطاع، فأنشأ مزرعة تضم 12 حوضًا كانت تنتج نحو 30 طنًا من الأسماك سنويًا في خانيونس جنوبًا.

وتوالت نجاحات القطاع، حتى ازدهرت مزرعة فش فريش جنوب القطاع، التي تولى العطار منصب مديرها التنفيذي، وبلغ إنتاجها 1000 طن من الأسماك. وساهم إنتاجها في توفير بعض الأنواع التي يصعب اصطيادها، فيما بلغ عدد العاملين فيها ثمانية، براتب 1500 شيكل للعامل الواحد.

يقول العطار: "كانت مزرعة العطار حاضرة بقوة، تنتج من بذور السمك 100 ألف سمكة، لكن قصفت مزرعتي الأولى في إحدى العدوانات الإسرائيلية السابقة ولم أرممها، فيما مزرعتي الثانية قصفت أكثر من مرة، وعملت على ترميمها دون دعم من أي جهة، وفي الحرب الحالية دمر الاحتلال كل شيء، وكان حجم الخسائر 180 ألف دولار، تشمل مزرعة التسمين والتكاثر أيضًا".

البدايات

جاء التوجه إلى الاستزراع السمكي في غزة استجابةً لتطور هذا القطاع عالميًا، ولقيود الصيد وصعوبة الوصول إلى بعض الأنواع. واتجه مستثمرون إلى إنشاء أحواض لتوفير مصدر إضافي للإنتاج الغذائي، وتحقيق قدر من الاكتفاء من بعض الأسماك بأسعار منخفضة.

ويُعرف الاستزراع السمكي بأنه تربية الأسماك في أحواض مخصصة لاستقبال الزريعة أو الإصبعيات السمكية في مياه عذبة أو مالحة، وتُجهز بأنظمة للتهوية وتكرير المياه والتحكم وفصل أنواع الأسماك. ومن أكثر الأنواع التي كانت تربى في غزة الدينيس والبلطي.

وتضم المزارع بركًا أرضية تعتمد على ضخ المياه، وأقفاصًا بحرية توضع في عمق البحر وتتميز بتكلفة أقل من البرك الأرضية. ومن المزارع المعروفة في القطاع: الأميرة، والعطار، وجنان، وحمدوش، وسما غزة، وكحيل، والإسراء، وفش فرش، وأصداء وغيرها.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، بلغت المساحة المستخدمة في الاستزراع السمكي في قطاع غزة 8.56 دونم.

وتظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن إنتاج الاستزراع السمكي في غزة بلغ 665 طنًا عام 2021، منها 620 طنًا من الدنيس و45 طنًا من البلطي. وقدرت مصادر أممية إنتاج القطاع قبل الحرب بنحو 750 طنًا سنويًا، فيما يقدر سعود الشوا الإنتاج بنحو 700 طن سنويًا، وهو اختلاف يرتبط بالمصدر وسنة القياس ومنهجية التقدير.

الإنتاج

يقول سعود الشوا، الطبيب البيطري وعضو مجلس الإدارة التأسيسي لجمعية الاستزراع السمكي: "إن بدء فكرة الاستزراع السمكي في غزة وإنشاء 11 مزرعة على مستوى القطاع، لم يكن المقصود أن يحل الاستزراع مكان الصيد البحري، إنما يكون جزءًا مكملًا له ويخفف الفجوة في الإنتاج والاحتياجات للغزيين".

وبحسب دراسة أعدها الشوا بعنوان "تأثير الحرب على القطاعات الحيوانية والداجنة والسمكية"، كان إنتاج الاستزراع السمكي يقدر بنحو 700 طن سنويًا، مقابل نحو 4,500 طن من الإنتاج السمكي البحري.

وتشير تقديرات أممية إلى أن إنتاج الاستزراع السمكي قبل الحرب بلغ نحو 750 طنًا سنويًا، مقابل نحو 4,660 طنًا من المصايد الحرفية.

ويضيف الشوا: "تركزت التربية للأسماك على أنواع مثل الدنيس والبلطي، إضافة إلى تطوير المفرخات وسلسلة المنشآت المرتبطة بالإنتاج، وكل طن منتج كان يعني وصول مزيد من الأسماك إلى الأسواق المحلية، وهو ما يعكس أهمية القطاع في توفير جزء من الاحتياجات الغذائية".

الاقتصاد

من الناحية الاقتصادية، يرى المختص الاقتصادي عمر صلوحة أن الاستزراع السمكي ساهم في الأمن الغذائي عبر سد جزء من العجز المحلي وتوفير مصدر للبروتين، خاصة مع تراجع المصيد من بعض الأنواع.

كما وفر وظائف مباشرة في المزارع، من الإدارة والهندسة إلى العمل الفني والبيطري، وأخرى غير مباشرة في الأعلاف والنقل والتبريد والتسويق وسلاسل الإمداد. ويقول صلوحة إن تدمير المزارع والمنشآت المرتبطة بها أدى إلى فقدان هذه الوظائف ودفع آلاف العاملين إلى البطالة.

ويشير إلى أن نقص الأعلاف والمستلزمات وارتفاع تكاليف الطاقة والتشغيل يجعل إعادة بناء القطاع مكلفة، مع بقاء إمكانية التعافي تدريجيًا عبر مشاريع صغيرة، وحصر المزارعين وأصحاب الخبرة، وتوفير الأعلاف والطاقة البديلة، وإعادة بناء سلاسل التوريد. ومن شأن ذلك استعادة فرص العمل وتوفير جزء من احتياجات السوق المحلية من الأسماك.

الحرب

يقول الشوا إن الحرب الإسرائيلية المندلعة منذ أكتوبر 2023 على غزة دمرت قطاع الاستزراع السمكي بالكامل، إذ يحتاج إلى الكهرباء بشكل دائم، وعند انقطاعها تموت الأسماك، كما يحتاج إلى المياه للضخ والتجديد، وتهوية بعض أنظمة التربية، إضافة إلى الأعلاف والمياه.

وعند سؤاله عما إذا كان يمكن للاستزراع السمكي أن يعود في ظل هذه الأوضاع، أجاب: "نعم، يمكن أن يعود. لكن من الخطأ أن نتعامل مع التعافي باعتباره شراء بعض الأسماك أو الأعلاف أو إصلاح حوض هنا وآخر هناك. إذا كنا نريد قطاعًا يستطيع الاستمرار، فعلينا إعادة بناء سلسلة الإنتاج نفسها".

ويرى الشوا أن البداية تكون بمسح ميداني للمزارع القابلة لإعادة التأهيل، ثم دعمها بأنظمة التهوية والزريعة والأعلاف والمضخات. ويشير إلى أهمية تنويع مصادر الطاقة عبر أنظمة الطاقة الشمسية، إلى جانب تأهيل المفرخات وتعزيز الإنتاج المحلي من الزريعة.

البيئة

من الناحية البيئية، يشدد المختص البيئي نزار الوحيدي على أن مستقبل الثروة السمكية يرتبط بالحالة البيئية للبحر والساحل، في ظل الدمار الذي طال منظومة الصرف الصحي، وتراكم الركام، واحتمالية تسرب مواد ملوثة.

ويقول الوحيدي: "يُعد تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئيًا من أبرز مصادر الضغط على النظم الساحلية، لما قد يسببه من ارتفاع الأحمال العضوية والميكروبية والمغذيات في المياه، وما يترتب على ذلك من تغيرات في جودة المياه والأكسجين الذائب، وتدهور بعض المواطن البحرية".

وتشير تقديرات أممية إلى تصريف نحو 60 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا إلى البيئة في غزة خلال عام 2024، معظمها باتجاه البحر المتوسط. كما ذكر برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقييمه المنشور عام 2025 أن منشآت معالجة مياه الصرف الصحي في غزة كانت متوقفة، وأن قدرة مرافق تخزين المياه والضخ انخفضت 84%، مع بقاء 9 من أصل 54 منشأة عاملة حتى أبريل 2025.

ويشير تقييم البرنامج إلى أن تدمير شبكات المياه والصرف الصحي وزيادة الاعتماد على الحفر الامتصاصية رفعا مخاطر تلوث المياه الجوفية والمناطق البحرية والساحلية.

وبناءً على ذلك، يرى الوحيدي أن أي خطة لإعادة تشغيل الصيد أو الاستزراع السمكي يجب أن تسبقها منظومة للرصد البيئي والصحي، تشمل فحص جودة المياه والرواسب، وتقييم مصادر التلوث، وتحديد المناطق الملائمة للاستزراع وفق معايير واضحة.

التعافي

كان الاستزراع السمكي في غزة جزءًا من منظومة إنتاج غذائي توفر بعض أنواع الأسماك التي يصعب الوصول إليها بالصيد البحري، إلى جانب فرص العمل والدخل ضمن سلسلة إنتاج واسعة.

اليوم، تواجه عودته دمار المزارع والمفرخات، ونقص الطاقة والمياه والأعلاف، إلى جانب بيئة بحرية وساحلية تحتاج إلى تقييم ومراقبة.

وتتطلب إعادة تشغيل القطاع مسح المزارع القابلة للتأهيل، وإعادة تشغيل المفرخات، وتوفير الزريعة والأعلاف والمضخات وأنظمة التهوية والطاقة، بالتوازي مع مراقبة جودة المياه والرواسب وتقييم مصادر التلوث.

وبين ما دمره النزاع وما يمكن إعادة بنائه، ترتبط عودة الاستزراع السمكي بإعادة بناء سلسلة الإنتاج والبيئة التي يعتمد عليها، حتى تتمكن الأسماك من العودة إلى الأحواض والأسواق وموائد الغزيين من جديد.