خلف خيمة إيمان الحناوي (42 عامًا) في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، حفرة صغيرة لا يتجاوز عمقها 40 سنتيمترًا، حفرها زوجها في الرمال لتصريف مياه الغسيل والاستحمام على بُعد نصف متر من مكان نوم الأسرة، حيث تنتهي رحلة المياه التي تستخدمها العائلة المكوّنة من سبعة أفراد، بعدما تعيد استخدامها أكثر من مرة لتقليل الاستهلاك.

تقول الحناوي إن الرمال كانت تمتص المياه خلال دقائق، لكن مع تكرار سكبها في المكان نفسه، بدأت المياه تبقى لساعات، وتترك وراءها رغوة ورواسب على سطح الأرض. وحين هطلت الأمطار، اختلطت المياه المتجمعة بمياه الغسيل وامتدت إلى أطراف الخيمة وتحت الفراش، فاضطرت الأسرة إلى سحبها يدويًا باستخدام الجرادل.

وتوضح الحناوي أن نقطة سحب المياه من بئر زراعي سطحي يعتمد عليه بعض النازحين تقع على بُعد عشرات الأمتار من خيمتها، من دون وجود حواجز أو إجراءات عزل واضحة تفصل بين مصدر المياه وحفر تصريف مياه الغسيل المحيطة بالخيام.

وتضيف أن الحفر التي تستخدمها الأسر متقاربة، في ظل غياب قنوات مخصصة أو خزانات لجمع المياه الرمادية، ما يترك السكان أمام حلول فردية للتخلص منها.

ولا تقتصر المشكلة، بحسب الحناوي، على تجمع المياه وانتشار الرغوة والروائح؛ بل تمتد إلى صعوبة تصريفها، خصوصًا عند هطول الأمطار وفي المناطق التي تضم مصادر مياه يعتمد عليها السكان.

وتظهر المشكلة بصورة مختلفة في مراكز الإيواء التي لا تسمح أرضياتها بتسرّب المياه إلى التربة. ففي ساحة مدرسة تؤوي مئات العائلات في مدينة غزة، تنتصب خيمة أحمد خليل (53 عامًا) فوق أرضية إسمنتية مبلطة، حيث يعيش مع زوجته وأبنائهما السبعة منذ 11 شهرًا. ومع غياب مسار مخصص لتصريف المياه الرمادية، تضطر الأسرة إلى سكب المياه المستخدمة في مجرى قديم لتصريف مياه الأمطار، أو توجيهها عبر خرطوم بلاستيكي نحو شجرة زيتون في زاوية الساحة.

يقول خليل إن المياه تتجمع في المنخفضات بين البلاط، وتبقى يومين أو ثلاثة قبل أن تجف تحت أشعة الشمس، تاركة بقعًا خضراء داكنة، ويزداد الوضع سوءًا مع تراكم القمامة قرب الأسوار وانبعاث الروائح من المياه الراكدة. أما في أيام المطر، فتطفو الرواسب المتراكمة في مجاري التصريف، وتمتد المياه إلى ممرات الخيام والصفوف الأرضية، حيث يتحرك الأطفال بين البرك التي لا تجد منفذًا للخروج.

ويوضح أن الأرضية الإسمنتية في هذه الحالة لا تسمح للمياه بالنفاذ مباشرة إلى التربة، فتظل متجمعة على السطح، بينما تزيد المصارف المسدودة من صعوبة التخلص منها.

ولا تقتصر مخاوف أسرة خليل على تجمع المياه في ساحة المدرسة، بل تشمل أيضًا خزانًا أرضيًا لتجميع المياه تغذيه بئر قريبة. وتقع فتحة الخزان بالقرب من مجرى المياه السطحية، وتغطيها صفيحة معدنية لا يُحكم إغلاقها تمامًا، ويخشى خليل أن تصل المياه الراكدة إلى الخزان عند ارتفاع منسوبها خلال الأمطار.

لكن تحديد ما إذا كانت المياه المتجمعة في الساحة تصل فعليًا إلى الخزان الأرضي يتطلب فحصًا فنيًا، إذ لا تكفي الملاحظات وحدها لإثبات حدوث تلوث. ويقول خليل إنه أبلغ إدارة مركز الإيواء واللجان المعنية بانسداد مصارف المياه، لكنه لم يحصل على بديل مناسب لتصريف المياه الرمادية.

أما أنسام مسعد (45 عامًا)، النازحة منذ ثمانية أشهر في منطقة زراعية مفتوحة قرب أطراف دير البلح، فتقيم مع زوجها وأبنائها الستة في خيمة تقع على بُعد نحو 20 مترًا من نقطة تعبئة مياه عامة تعتمد على بئر زراعي محلي.

تقول إن الأسر تستخدم المياه للغسيل والنظافة والاحتياجات المنزلية غير المخصصة للشرب، فيما تتخلص، إلى جانب خمس أو ست أسر مجاورة، من مياه الغسيل والاستحمام في حفرة ترابية مكشوفة خلف صف الخيام، ويبلغ عمق الحفرة نحو نصف متر، وقد حُفرت في منخفض طبيعي وأُحيطت بساتر ترابي صغير للحد من انتشار المياه.

وتوضح أنه في الأسابيع الأولى كانت التربة تمتص المياه سريعًا، لكن مع تكرار سكبها من الأسر التي تستخدم الحفرة، بدأت المياه تتجمع لساعات طويلة، تاركة طبقة رمادية معتمة ورغوة بيضاء على سطحها، فيما تنبعث منها روائح تزداد وضوحًا وقت الظهيرة.

وتوضح أن المشكلة تتفاقم مع هطول الأمطار؛ إذ تمتلئ الحفرة بمياه الأمطار المتدفقة من محيط الخيام، ثم تفيض خارج الساتر الترابي، لتتحرك فوق سطح الأرض باتجاه المنخفض الذي توجد فيه مضخة البئر وخزانها الأرضي، بفعل انحدار الأرض نحو تلك المنطقة.

وتعكس هذه الحالات، بحسب المهندس أحمد إسحاق العامل في إدارة مواقع النزوح، صعوبة التعامل مع مشكلة تصريف المياه في ظل تضرر الجزء الأكبر من شبكات الصرف الصحي وتصريف المياه، وفق تقديره الميداني الأولي.

ويوضح أن الأسر تلجأ إلى الحفر الامتصاصية للتخلص من مياه الصرف الصحي، فيما تُصرّف المياه الرمادية الناتجة عن الغسيل والاستحمام بطرق عشوائية، ما يثير مخاوف من آثار بيئية وصحية، خصوصًا مع هطول الأمطار.

ويشير إسحاق إلى أن تدخلات المؤسسات تقتصر، في ظل محدودية التمويل، على حلول جزئية داخل المواقع، مثل الحفر الامتصاصية والحمامات العامة، دون القدرة على معالجة مشكلة التصريف بصورة شاملة.

وتتجاوز مشكلة تصريف المياه المستخدمة في الغسيل والاستحمام حدود الخيام التي رُصدت فيها ميدانيًا. ففي تقييم نشرته مجموعة إدارة المواقع في فلسطين في يونيو 2026، استنادًا إلى بيانات مايو، تبيّن أن 64% من مواقع النزوح شهدت تجمعًا لمياه الأمطار، فيما افتقر نصف المواقع تقريبًا إلى مصارف ظاهرة.

كما أشار تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صدر في مارس 2026 إلى أن نحو ألف موقع نزوح، من بين نحو 1,600 موقع جرى التحقق منها، واجه مشكلات تتعلق بتجمع المياه وضعف التصريف. وتكشف هذه الأرقام اتساع مشكلة تصريف المياه في مواقع النزوح، لكنها لا تحدد كمية المياه الرمادية الناتجة عن الغسيل والاستحمام تحديدًا.

ولا تتوافر، ضمن المصادر العامة التي أمكن التحقق منها، تقديرات موثوقة لحجم المياه الرمادية المصروفة يوميًا من مواقع النزوح في قطاع غزة، كما لم يُعثر على نتائج فحوص حديثة تثبت أن المنظفات أو الفوسفات الناتج عنها تسببا في تلوث محدد للخزان الساحلي. لذلك، لا يمكن تحويل أرقام توافر المياه للسكان إلى تقدير لكمية المياه الرمادية من دون معرفة مقدار المياه المستخدمة في الغسيل والاستحمام ونسبة ما يُصرّف منها.
 

وفي المقابل، وثّق برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقييمه المنشور في 23 سبتمبر 2025 تدهورًا واسعًا في البنية التحتية للمياه والصرف الصحي، وأشار إلى أن تضرر الشبكات وزيادة الاعتماد على الحفر الامتصاصية قد يفاقمان مخاطر تلوث المياه الجوفية.

ويوضح الخبير البيئي عبد الفتاح عبد ربه أن مياه الأمطار تسهم في تغذية الخزان الجوفي، إلا أن تأثيرها في جودة المياه يتوقف على كميتها وخصائص التربة ونوعية الملوثات؛ فالأمطار الغزيرة قد تنقل ملوثات متراكمة على السطح، ولا تعني زيادة الهطول بالضرورة تحسن جودة المياه.

وفي ما يتعلق بالمنظفات، يوضح عبد ربه أن بعض مكوناتها، ومنها الفوسفات، قد تصل إلى المياه الجوفية عند تصريف مياه الغسيل مباشرة في الرمال، لكن التأكد من حدوث ذلك في مواقع النزوح يحتاج إلى فحص عينات من المياه والتربة، ومقارنة النتائج بمصادر التلوث الأخرى.

ويشير إلى أن هذه الفحوص يجب أن تشمل مؤشرات كيميائية وبكتيرية، مثل الفوسفات والنترات والمواد الخافضة للتوتر السطحي، إلى جانب بكتيريا الإشريكية القولونية التي تُستخدم للكشف عن التلوث البرازي.

ويوضح أن معرفة ما إذا كانت تغذية الخزان الجوفي قد تغيرت خلال الحرب تحتاج إلى بيانات حديثة عن كميات الأمطار ومعدلات تسربها إلى باطن الأرض، ومقارنتها بالبيانات السابقة، مع الأخذ في الاعتبار تغيرات سطح الأرض والجريان السطحي وكميات المياه التي تُضخ من الآبار.

ويشير تقييم برنامج الأمم المتحدة للبيئة الصادر في سبتمبر 2025 كذلك إلى أن فقدان الغطاء النباتي وانضغاط التربة أضعفا قدرتها على امتصاص المياه، ما أسهم في زيادة الجريان السطحي وتراجع تغذية الخزان الجوفي.

لكن إلى أي مدى تتابع الجهات المختصة هذه المخاطر في مواقع النزوح، في ظل غياب بيانات عن كميات المياه الرمادية ونتائج فحوص الخزان الجوفي؟

وللوقوف على إجراءات المتابعة، تقول المهندسة إسراء أبو شعبان، عضو لجنة إدارة أزمة المياه في قطاع غزة لدى سلطة المياه الفلسطينية، إن السلطة لم تُجرِ حتى الآن فحوصات شاملة للخزان الجوفي لتقييم جودة مياهه خلال الحرب، كما لا تتوافر تقديرات رسمية لكميات المياه الرمادية الناتجة عن الاستخدام اليومي في مواقع النزوح.

وتوضح أن الفحوصات الحالية تركز على المياه التي تصل إلى السكان بعد سحبها من الآبار ومعالجتها، ولا تكشف بصورة شاملة عن جودة مياه الخزان الجوفي نفسه. أما الفحوصات المحدودة التي أُجريت لبعض مصادر المياه، فلا تكفي لتحديد مدى التلوث أو أسبابه.

وتضيف أن سلطة المياه تُعدّ مقترحًا لمراقبة منسوب المياه الجوفية وفحص مؤشرات تشمل الكلوريد والنترات والتلوث البكتيري، لمقارنة النتائج ببيانات ما قبل الحرب، لكن العمل بالمقترح لم يبدأ حتى الآن.

وبشأن مياه الصرف الصحي، تشير أبو شعبان إلى تقديرات تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف متر مكعب يوميًا للمياه التي تتسرب عبر الحفر الامتصاصية. وتوضح أن هذه التقديرات تخص مياه الصرف الصحي، ولا تشمل المياه الرمادية الناتجة عن الغسيل والاستحمام، التي لا تتوافر بيانات رسمية منفصلة عن كمياتها.

وتلفت أبو شعبان إلى مخاطر تسرب مياه الصرف الصحي إلى الخزان الجوفي، خصوصًا في مناطق مثل المواصي، حيث يقترب منسوب المياه الجوفية من سطح الأرض. لكنها تؤكد أن حجم الضرر لم يُقَس حتى الآن، وأن تحديد مصدر التلوث يحتاج إلى فحوصات أوسع، إذ لا تكفي النتائج البكتيرية وحدها لتحديد مصدره.

وفيما يتعلق بالأمطار، تقول أبو شعبان إن سلطة المياه لا تملك حاليًا، بحسب المعلومات المتاحة لديها، تقديرات حديثة لتغذية الخزان الجوفي، كما لا تتوافر لديها قياسات مؤكدة لمعدلات الهطول يمكن الاستناد إليها لتقييم أثر التغيرات المطرية على الخزان خلال الحرب.

وتشير أبو شعبان كذلك إلى أن سلطة المياه تتجه، خلال المرحلة الانتقالية، إلى حلول لامركزية تتناسب مع واقع النزوح وتعطل أجزاء من البنية التحتية، تشمل تجميع مياه الصرف الصحي وإبعاد مصادر الخطر عن مواقع النزوح، إلى جانب تطوير محطات معالجة وخدمات مياه أقرب إلى التجمعات السكانية.

ومع كل موجة مطر، تصبح الحفر التي حفرتها الأسر للتخلص من المياه الرمادية جزءًا من مشكلة أوسع، تتداخل فيها ظروف النزوح مع تعطل شبكات التصريف وتغيّر مسارات المياه على الأرض. وتتصاعد المخاوف مع بدء موسم الأمطار؛ إذ قدّر تقييم لمجموعة إدارة المواقع، نقله تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) الصادر في 15 أكتوبر 2026، أن نحو 950 ألف نازح يعيشون في مواقع ذات خطورة متوسطة إلى عالية للفيضانات، بينهم أكثر من 400 ألف في مواقع عالية الخطورة.

وبينما لا تزال آثار تصريف المياه الرمادية في التربة والخزان الجوفي بحاجة إلى فحوصات تحدد حجمها، يضع موسم الأمطار الجهات المعنية أمام اختبار عاجل: كيف يمكن حماية مصادر المياه والحد من تجمع المياه حول الخيام، في ظل غياب حلول تصريف آمنة؟ فالتعامل مع هذه المخاطر لا يبدأ بعد وقوع الضرر، بل بالاستعداد المسبق، وتحسين تصريف المياه، ومراقبة جودتها، بما يحد من انتقال الملوثات ويحمي مصادر المياه في مواقع النزوح. وهنا يتحدد معنى التكيف مع الظروف المناخية: ألا تتحول الأمطار من مصدر لتغذية المياه الجوفية إلى عامل قد ينقل الملوثات نحوها.