في منطقة الكتيبة غرب مدينة غزة، لم تعد الأرض تشبه ما يتذكره أحمد رباح (50 عامًا) قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (2023- الآن). كان المكان، كما يصفه، متنفسًا للمنطقة؛ مساحة خضراء وساحة مفتوحة تحيط بالمباني والجامعات. اليوم، اختفت تلك الملامح تحت آثار القصف والتجريف والركام، فيما يعيش رباح داخل خيمة في المنطقة نفسها التي تحولت لخيامٍ متلاصقة للنازحين، بعدما دُمّر منزله خلال الحرب.

ما يرويه رباح تجسيد مباشر لتحوّل أبعد من كونه جمالي إلى مناخي وبيئي أوسع تشهده تربة القطاع، إذ تشير بيانات الأقمار الصناعية والتقييمات الدولية إلى أن الأرض نفسها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على التعامل مع مياه الأمطار، ما يحوّل كل موسم شتوي إلى اختبار وجودي لمن لا يملكون سوى الخيام مأوى.

من داخل خيمته، ينتظر رباح موسم الأمطار لهذا العام بقلق مختلف، فقد اختبر خلال الموسم السابق ما يمكن أن تفعله المياه بمكان يعيش فيه من دون جدران تحميه أو أرض مستقرة تحته. ويقول إن مياه الأمطار غمرت المنطقة ووصلت إلى أماكن إيواء السكان، ما جعل هطول المطر، الذي كان يومًا جزءًا طبيعيًا من حياة الناس، مصدر خوف متجدد بالنسبة إليه ولعائلته.

ولا يرتبط خوفه بالخيمة وحدها؛ فهو يلاحظ أيضًا تغيرًا في الأرض المحيطة بها. فالمساحات التي كانت، قبل الحرب، تستوعب مياه الأمطار تدريجيًا، أصبحت في بعض المواقع تستقبل المياه على سطحها، فتتجمع في برك واسعة أو تتحرك نحو المناطق المنخفضة.

ويوضح أن هذا التغير أصبح أكثر وضوحًا بعد عمليات التجريف ومرور الآليات الثقيلة، التي تركت أجزاء من الأرض شديدة الصلابة والانضغاط. ففي بعض الأماكن أصبحت قاسية، فيما اختلطت طبقاتها السطحية بالغبار والركام وبقايا المباني.

وبالنسبة لرباح، لا تبدو هذه التغيرات مسألة بعيدة عن حياته اليومية. فكل تجمع للمياه حول الخيمة يعني خطرًا إضافيًا على مكان إقامته، وكل هطول غزير يعيد إليه تجربة الموسم السابق، حين غمرت مياه الأمطار المنطقة التي يعيش فيها.

ومع اقتراب موسم الأمطار، يزداد قلقه من تكرار المشهد، ويخشى أن تتحول المياه التي لا تجد طريقًا سهلًا إلى باطن الأرض أو شبكات الصرف إلى تجمعات وسيول تحاصر الخيام ومواقع الإيواء، خصوصًا في ظل تضرر البنية التحتية وشبكات تصريف المياه.

معاناة متكررة

وتتكرر هذه المخاوف، بصيغ مختلفة، لدى سكان آخرين نزحوا إلى مناطق متفرقة من القطاع، ووجدوا أن التربة التي عرفوها طوال حياتهم لم تعد تستجيب لمياه المطر كما كانت.

على أرض مختلفة، لكن بمخاوف متشابهة، يعيش أكرم الجماصي (60 عامًا) تجربة أخرى مع التربة. يقول إن الأرض في منطقته كانت بطبيعتها طينية وثقيلة، لكنها قبل الحرب كانت تُحرث وتُهوّى، وكانت مياه الأمطار تجد طريقها إلى داخلها تدريجيًا.

اليوم، تبدو الأرض مختلفة تحت قدميه، بحسب ما يلاحظ؛ طبقات شديدة الصلابة، إلى درجة أن تثبيت أوتاد الخيمة أصبح مهمة شاقة، ويضطر السكان إلى استخدام أدوات ثقيلة لغرسها في الأرض.

ومع هطول المطر، تظهر المشكلة بصورة أوضح. ويوضح الجماصي أن المياه تبقى على سطح الأرض بدلًا من أن تتسرب سريعًا إلى داخلها، فيما تتحول المنطقة المحيطة بالخيمة إلى وحل يعيق الحركة ويصل إلى أطراف مكان الإيواء. ومع استمرار الرطوبة، تبقى الأرض مبللة لفترات طويلة، خصوصًا في ظل ضعف تصريف المياه.

ويضيف أنهم يحاولون التعامل مع المياه بوسائل بسيطة؛ بحفر قنوات صغيرة وإقامة حواجز ترابية حول الخيمة لتوجيه المياه بعيدًا عنها، لكن هذه المحاولات لا تحل المشكلة بالكامل، إذ تمتلئ القنوات بالطين وتعود المياه إلى التجمع في محيط الخيمة.

وإذا كانت وسائل الجماصي البسيطة تعكس محاولة تكيّف فردية مع واقع فرضته الحرب، فإن معاناة ابتسام إسليم تكشف وجهًا أكثر هشاشة من الأزمة نفسها.

في وسط مدينة غزة، تعيش ابتسام إسليم (38 عامًا)، وهي أرملة وأم لثلاثة أطفال، داخل خيمة لا تملك سواها مأوى، ومن دون معيل تعتمد عليه في مواجهة تفاصيل الحياة اليومية.

تقول: "أرضية الخيمة ترابية بالكامل. كنا نظن أن بإمكاننا فرش التراب بالحُصر والنايلون والتعايش معه، لكن الحرب غيّرت شكل الأرض. لم تعد التربة لينة كما كانت، بل أصبحت صلبة وقاسية، وكأنها طبقة من الخرسانة".

وتوضح إسليم أن التراب فقدَ ليونته السابقة وبات صلبًا إلى درجة يصعب معها التعامل معه، فيما تصعد الرطوبة من الأرض ليلًا وتصل إلى أماكن نوم الأطفال، من دون وسائل كافية لرفع الفرش أو عزله عن الأرض.

ومع إقبال هطول المطر، تبدأ معاناة أخرى. وتضيف أن المياه تتسلل من أطراف الشوادر، وتتجمع داخل الخيمة فوق الأرض، فتبتل فرشات النوم الإسفنجية، وتضطر هي وأطفالها إلى البقاء في زاوية واحدة بعيدًا عن المياه.

وتتابع: "ما أصعب أن تشاهدي المطر يملأ المكان الذي تنامين فيه، والأرض لا تستوعب المياه".

وتصف إسليم أثر ذلك على أطفالها، مشيرة إلى أن بقاء الأرض رطبة لفترات طويلة، واختلاط المياه بالغبار والركام ومياه الصرف المتجمعة في المحيط، يزيد من صعوبة العيش داخل الخيمة.

لكن أكثر ما تخشاه ابتسام هو أن يأتي المطر ليلًا، قائلة إن الخوف الأكبر هو أن تتدفق المياه بصورة مفاجئة، أو أن تتعرض الخيمة لأضرار تجعلها وأطفالها بلا مأوى، خاصة مع صعوبة تثبيت أوتادها في الأرض الصلبة.

وتستعيد إسليم صورة مختلفة للمطر قبل أن تصبح الخيمة بيتها: "المطر في السابق كان خيرًا نبتسم له، أما اليوم، ففي الخيمة، فهو كابوس أرتجف منه خوفًا على أطفالي الصغار".

لا تقتصر التجارب على حالات فردية، فهي انعكاس لواقع يعيشه غالبية سكان غزة؛ إذ قدّرت وكالة الأونروا، في سبتمبر/أيلول 2025، عدد النازحين قسرًا داخل القطاع بنحو 1.9 مليون شخص، فيما رصدت وكالات إقليمية، في نهاية العام نفسه، أن أكثر من مليوني فلسطيني ما زالوا عالقين في الخيام، مع استمرار سيطرة قوات الاحتلال على نحو 53% من مساحة القطاع، ما يحول دون عودتهم إلى منازلهم أو مناطقهم الأصلية. 

ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2025، ضربت القطاع سلسلة من المنخفضات الجوية أغرقت أو طيّرت عشرات آلاف الخيام، وأودت بحياة أطفال جراء البرد القارس، بينهم رضع وحديثي ولادة. وخلَص تقييم أعده مختصون في مجال الإيواء، نقلته صحيفة الغارديان، إلى أن آلاف الخيام المقدمة للنازحين غير ملائمة أصلًا لظروف شتاء غزة القاسية.

تفسير علمي

وما تصفه الحالات الثلاث لا يبدو منفصلًا عن التغير الذي طرأ على التربة والغطاء النباتي في مناطق واسعة من قطاع غزة خلال الحرب. ويوضح المهندس نزار الوحيدي، المدير العام السابق للتخطيط والسياسات في وزارة الزراعة بغزة، أن قدرة التربة على استيعاب مياه الأمطار أصبحت أقل بفعل أعمال التجريف وإزالة الغطاء النباتي ودكّ التربة بحركة الآليات الثقيلة.

ويشرح الوحيدي أن التربة قبل الحرب كانت تستفيد من وجود الأشجار والنباتات والمحاصيل وفلاحة الأرض، التي كانت تساعد على احتجاز المياه وتسهّل حركتها إلى الطبقات الداخلية، بينما أدى الضغط الواقع على سطح التربة إلى تكوّن طبقة أكثر اندماجًا، تجعل تسرب المياه إلى الداخل أصعب وتزيد من جريانها فوق السطح.

ويقول: "بعد إزالة الغطاء النباتي واقتلاع الأشجار وحركة الآليات الثقيلة، أصبحت الطبقة السطحية مندمجة ومضغوطة للغاية؛ مما جعل جريان المياه السطحية فوقها أمرًا سهلًا يؤدي إلى تجريفها، وفي المقابل بات من الصعب جدًا تغلغل المياه واختزانها في باطن التربة".

ويضيف الوحيدي أن للنباتات دورًا يتجاوز كونها غطاءً فوق سطح الأرض، إذ تؤدي دورًا مباشرًا في بنية التربة نفسها، موضحًا أن جذورها وبقاياها تساعد على تكوين مسارات تسمح للمياه بالنفاذ إلى داخل التربة، وهو ما يرفع معدل ارتشاح المياه. ومع اقتلاع الأشجار وفقدان الغطاء النباتي وضغط الآليات الثقيلة، تصبح الطبقة السطحية أكثر صلابة، فتتحول مياه الأمطار بصورة أكبر إلى جريان سطحي بدلًا من تسربها إلى باطن الأرض.

ولا تتوقف المشكلة عند كمية المياه التي تستطيع التربة استقبالها، إذ يحذر من أن الركام المتراكم فوق سطح الأرض قد يحمل معه مواد مختلفة إلى التربة مع مياه الأمطار، فيما يمكن للسيول أن تجرف مخلفات المتفجرات وأكوام النفايات ومياه الصرف الصحي الطافحة، وتنقلها إلى مناطق أخرى.

ويتابع الوحيدي أن تدمير شبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار أدى إلى زيادة احتمالات اختلاط المياه، فيما يمكن لمياه الأمطار والسيول أن تحمل الملوثات المتراكمة على سطح التربة باتجاه المناطق الساحلية.

وتؤكد هذه الملاحظات الميدانية ما خلص إليه التقييم البيئي الثاني الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) في 23 سبتمبر/أيلول 2025، والذي وثّق فقدان غزة، منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، نحو 97% من أشجار المحاصيل، و95% من الشجيرات، و82% من المحاصيل الموسمية، مشيرًا إلى أن فقدان الغطاء النباتي وانضغاط التربة بفعل النشاط العسكري قلّصا قدرتها على امتصاص المياه، وزادا من الجريان السطحي ومخاطر الفيضانات، وأضعفا تغذية المياه الجوفية.

وتضمّن التقييم 30 توصية لإصلاح الضرر البيئي في غزة، غير أن آلية تنفيذها أو جدولها الزمني لم يتضحا بعد في ظل استمرار القيود على دخول المعدات ومواد الإعمار إلى القطاع.

وتدعم دراسة علمية نشرتها مجلة مجلة بيئية بريطانية محكّمة  في يونيو/حزيران 2026 هذه الصورة بأرقام حديثة؛ إذ استخدم فريق بحثي دولي بيانات الأقمار الصناعية مفتوحة المصدر لرصد التغير في الغطاء الأرضي بقطاع غزة بين سبتمبر/أيلول 2023 وسبتمبر/أيلول 2025.

وأظهرت الدراسة انخفاض مساحة الأراضي المزروعة والمراعي من 5,941 هكتارًا إلى 2,056 هكتارًا، بنسبة 65%، في حين ارتفعت مساحة التربة العارية من 3,918 هكتارًا إلى 17,663 هكتارًا، بزيادة بلغت 351%. كما كشفت صور عالية الدقة عن تحول واسع من الأسطح المغطاة بالنباتات إلى مناطق من الركام والتربة المكشوفة، ما يقدم مؤشرًا مكانيًا على حجم التغير الذي أصاب الغطاء الأرضي في القطاع خلال الحرب.

ولتمييز أثر الحرب عن أي تغير مناخي أو موسمي إقليمي، قارن الباحثون النتائج بمنطقة مجاورة داخل فلسطين المحتلة خلال الفترة نفسها، فوجدوا أن مساحة الأراضي الزراعية والمراعي هناك تراجعت بنسبة 4.5% فقط، بينما ازدادت مساحة التربة العارية بنسبة 3.4%، وهو ما اعتبره معدّو الدراسة دليلًا على أن حجم التغيّر الحاد داخل غزة مرتبط بالنزاع وليس بعوامل بيئية إقليمية عامة.

لم تعد الأمطار وحدها هي المشكلة في غزة، فالأرض ذاتها التي تستقبلها تغيّرت جذريًا. والتربة التي تعرضت للتجريف والضغط وفقدان الغطاء النباتي قد تحتاج إلى ما هو أبعد من إزالة الركام وتصريف المياه: فحص علمي لخصائصها، وتقييم لمستويات التلوث، وإعادة تأهيل للغطاء النباتي وشبكات الصرف.

خطوات التعافي

ودعا مختصون إلى خطوات عملية لبدء تقييم تربة غزة وتأهيلها بعد الحرب. فقد دعا أحمد حلس، رئيس المعهد الوطني الفلسطيني للبيئة والتنمية، إلى تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق تُقيّم الضرر وتضع الأساس لإعادة التأهيل البيئي والتعافي طويل الأمد، مشددًا على أن هذه اللجنة ينبغي أن تعطي الأولوية لإعادة تأهيل مصادر المياه، ومعالجة التربة، واستعادة الأراضي الزراعية. 

ومن جهته، أوضح د. مازن قمصية، من معهد التنوع البيولوجي والاستدامة في جامعة بيت لحم، أن نقطة البداية هي غياب البيانات الأساسية، قائلاً: "لا نعرف مدى تلوث التربة في غزة ونوع مخلفات الحرب الموجودة فيها، سواء كان يورانيوم منضّبًا أو فوسفورًا أبيض أو معادن ثقيلة أو غيرها"، مضيفًا: "ليس لدينا حتى إمكانية إخراج عينات التربة من غزة".

وترى رنا صليبة، الباحثة المشاركة في دراسة رصد الأضرار الزراعية بالأقمار الصناعية، أن التقييمات المكانية الدقيقة تتيح للجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية تخطيط إعادة تأهيل متسلسلة، تبدأ بالمحاصيل سريعة النمو قبل إعادة زراعة الأشجار طويلة الأمد كالزيتون والحمضيات، وتصميم برامج تعويض وإعادة زراعة موجّهة استنادًا إلى خرائط ضرر موثّقة، مؤكدة أنه لا تعافٍ زراعيًا ممكنًا من دون توفير المياه.

لا تقتصر مشكلة التربة في غزة على أرض أصبحت أكثر صلابة أو خيام تحاصرها البرك خلال الشتاء، فهي في جوهرها تغيّر في الطريقة التي تتعامل بها الأرض مع مياه الأمطار نفسها: قدرة أقل على الامتصاص، وجريان سطحي أكبر، واحتمالات أعلى لحمل الملوثات إلى أماكن أخرى.

لكن مع اتساع حجم الضرر، يبقى سؤال ما بعد الحرب مفتوحًا: من سيفحص تربة غزة؟ ومن سيحدد أيّ الأراضي يمكن استعادتها، وأيّها تحمل آثارًا بيئية قد تستمر لسنوات؟