يمسك المزارع قاسم فياض بحبات الزيتون المتدلية من أغصان الأشجار الممتدة أمامه، ويمرّ بخطوات هادئة بين صفوفها، متأملًا الأشجار واحدة تلو الأخرى؛ تلك التي زرعها قبل 15 عامًا بيديه، ورعاها موسمًا بعد آخر حتى كبرت وأصبحت جزءًا من أرضه وذاكرته. يلامس الأغصان ويتفقّد ثمارها، مستذكرًا مواسم كانت فيها أشجاره مثقلة بالزيتون والإنتاج وفيرًا، أما اليوم فقد صار ما يجنيه لا يُذكر مقارنة بالسابق.
فقد فياض أراضيه الزراعية في القرارة بخان يونس جنوب القطاع، البالغة مساحتها 9 دونمات، وفيها أشجار زيتون يبلغ عمرها 200 عام. فقد 120 شجرة زيتون، كما فقد بيته وممتلكاته هناك. لكنه لم يستسلم، وواصل الزراعة في أرضه في دير البلح بالمحافظة الوسطى، ليرعى اليوم 24 شجرة زيتون مزروعة في 3 دونمات.
يقول وهو يستند بظهره إلى إحدى أشجاره: "اليوم إنتاج الزيتون يصل بالكاد إلى 20%، وليس كل المزارعين زيتونهم بنفس الجودة، فقد قلّت الجودة كثيرًا وفقًا لظروف معينة. فمثلًا تشغيل بئر الماء لري الأشجار يكلّف 250 شيكلًا في الساعة الواحدة، فلو حسبناها أربع ساعات يوميًا فالمجمل 1000 شيكل، عدا عن الأسمدة والأدوية التي إن وُجدت كانت بأسعار مهولة".
ويضيف وهو يمسك بحبة زيتون صغيرة: "عندما لا يُروى شجر الزيتون جيدًا تسوء جودة الثمار، ولا تكبر الحبات، وعند العصر يظهر المرار في طعم الزيت. لكن هذا الموسم سقطت أمطار ساعدتنا نوعًا ما في الري".
لم يعد موسم الزيتون في غزة يشبه ما كان عليه قبل الحرب، فالأشجار التي تمثل إرثًا وذاكرة دُمّرت، والمتبقي منها بات أقل إنتاجًا وعددًا. ويواجه المزارعون مع الأشجار الناجية ظروفًا معقدة، فرضت واقعًا مزريًا من الناحيتين المناخية والبيئية. وفي ظل شح المياه، وحاجة الزيتون إلى ري منتظم، وصعوبة تشغيل آبار المياه وارتفاع تكاليفها، تقلصت قدرة المزارعين على رعاية أشجارهم.
هنا يكمن السؤال: هل الأشجار التي نجت من الحرب قادرة على العودة إلى إنتاج الزيتون بالجودة والكميات نفسها؟ فالتغير في ظروف المياه والتربة وارتفاع الضغط البيئي على الأشجار قد ينعكس على تركيب الثمار والزيت، بما في ذلك المركبات الفينولية المرتبطة بمرارة الزيت ولذعته وثباته التأكسدي.
ويبرز هنا سؤال أكبر: ماذا يحدث فعلًا لأشجار الزيتون التي بقيت في غزة؟ وكيف ستؤثر سنوات الحرب والظروف المناخية القاسية في مستقبل واحدة من أقدم الزراعات وأكثرها ارتباطًا بالذاكرة الفلسطينية؟
بحسب المهندس الزراعي محمد الفرا، إذا قُطع جذع شجرة الزيتون أو احترق وبقي الجذر حيًا، فإن الشجرة تتجدد من الفروع الأساسية أو من الأشطاء القاعدية عبر التقليم التجديدي، وتعود إلى الإثمار خلال 3 إلى 5 سنوات. أما الأشجار المقلوعة بجذورها فهي مفقودة، والغراس الجديدة تحتاج عادة إلى 4 أو 5 سنوات للإثمار في البساتين المروية، وأكثر من 10 سنوات للوصول إلى إنتاج كامل في الأصناف البلدية.
وعن حالة أشجار الزيتون المتبقية وعلامات إمكانية إنقاذها، يوضح الفرا أن الحالة تختلف من شجرة إلى أخرى، ولا يصح الحكم إلا بمسح ميداني. لكن هناك علامات فحص تساعد في ذلك، منها الكشط الخفيف للّحاء: فاللون الأخضر تحت القشرة يعني أن الكامبيوم حي، واللون البني الجاف يعني موت النسيج. أما في منطقة التاج والجذع السفلي، فإن وجود براعم أو أشطاء خضراء عند القاعدة هو أقوى مؤشر على القدرة على التجدد.
ويشرح أنه إذا احترق لحاء الجذع بالكامل حول محيطه، فإن الجزء العلوي غالبًا ميت، وقد ينجو الجذر. وإذا قُلع أو انكشف أكثر من نصف الجذور، أو تشقق الجذع، فهذا يعني ضعف فرص النجاة. والأغصان المرنة والأوراق الخضراء علامة جيدة، أما الأغصان الهشة الجافة فعلامة سيئة.
أما عن تأثير تدهور حال شجرة الزيتون في الزيت المستخلص، فيقول الفرا إن الثمار القريبة من الحرائق قد تحمل نكهة دخانية، وقد ترتفع فيها الهيدروكربونات الأروماتية متعددة الحلقات. وأضاف أن نقص المياه يسبب إجهادًا متوسطًا يرفع الفينولات (مرارة ولذعة وثباتًا أكبر)، أما الإجهاد الشديد فيصغّر الثمار ويقلل المردود ونسبة الزيت.
ويكمل: "كما أن ذبابة الزيتون تسبب ثمارًا مصابة وزيتًا مرتفع الحموضة، وما يرفع المعادن الثقيلة في الثمار هو الغبار الناتج عن الأنقاض. إضافة إلى أن تأخر القطف والعصر هو أكبر مسبّب لتدهور الجودة، فيرتفع رقم البيروكسيد وتزيد الحموضة. والحكم الدقيق يتطلب تحاليل مخبرية تشمل الحموضة ورقم البيروكسيد والفينولات والهيدروكربونات الأروماتية متعددة الحلقات والمعادن الثقيلة".
في السياق ذاته، يقول محمد أبو عودة، مدير عام دائرة البستنة الشجرية في وزارة الزراعة في غزة، إن الأرقام التي يقدّمها تمثّل تقديرات الوزارة. وبحسب هذه التقديرات، كانت المساحة المزروعة بالزيتون قبل الحرب نحو 50 ألف دونم، وتراجعت حاليًا إلى نحو 5 آلاف دونم تقريبًا، أي بانخفاض يصل إلى 90%. أما عدد أشجار الزيتون، فتقدّر الوزارة أنه تراجع من قرابة مليوني شجرة إلى نحو 150 ألف شجرة.
وفيما يخص الإنتاج، تشير تقديرات الوزارة إلى أن قطاع الزيتون كان يُنتج نحو 40 ألف طن سنويًا، منها 35 ألف طن مخصصة للعصر، وحوالي 5 آلاف طن للتخليل. أما الآن فيُقدَّر الإنتاج بنحو 5 آلاف طن فقط، أي إن القطاع فقد ما يقارب 87.5% من إنتاجه السابق بحسب هذه التقديرات.
وفيما يتعلق بإنتاج الزيت، يقول أبو عودة إنه تراجع بحسب التقديرات نفسها من نحو 5 آلاف طن إلى نحو 700 طن. وقد تسبب ذلك في انهيار حلقات التصنيع، إذ يمتد الأثر إلى ما بعد المزرعة، من انخفاض عدد معاصر الزيتون، وفقدان المزارعين والعمال أعمالهم، إلى الغلاء الذي طال ما تبقى من هذا القطاع.
ويبيّن أن متوسط سعر كيلو الزيتون اليوم، بحسب متابعات ميدانية للوزارة، وصل إلى قرابة 20 شيكلًا بعدما كان 5 شواكل، أما تنكة زيت الزيتون التي كان متوسط سعرها 500 شيكل، فقد وصلت إلى نحو 1500 شيكل، وفق قوله، فيما لم يتضح تاريخ آخر حصر اعتمدت عليه الوزارة.

أما من الناحية البيئية، فما الذي يحدث داخل الأشجار المتبقية؟ وما الأضرار الصامتة التي تضرب الجذور؟ وهل ستعود الحياة إلى التربة وتنمو أشجار الزيتون مرة أخرى؟
يقول المختص البيئي نزار الوحيدي: "الأشجار التي نجت من التدمير المباشر تُظهر سلوكًا فيزيولوجيًا معقدًا ناتجًا عن تعرضها لإجهاد بيئي شديد، كالاهتزازات الانفجارية، وجروح الأغصان، وانقضاء موارد المياه. ومن المتوقع أن تُفعّل هذه الأشجار أجهزة الإنذار الكيميائي الداخلي، فيرتفع تركيز المركبات الفينولية فيها (مثل Oleuropein و Hydroxytyrosol وكآلية دفاعية لحماية خلاياها من الأكسدة والتلف".
هذا التحول الكيميائي قد ينعكس على جودة الزيت المستخرج، ويوضح الوحيدي، أن زيادة تركيز هذه المركبات الفينولية تؤدي إلى ارتفاع نسب المرارة واللذعة. وأضاف أن تراكم الغبار على الأوراق قد يؤثر في عملية البناء الضوئي، ما قد يؤدي إلى صغر حجم الثمار، وربما إلى تغير في تركيز الأحماض الدهنية داخلها.
ويُشدِّد الوحيدي على أن التأثير لا يقف عند حدود الأغصان والأوراق، بل يمتد إلى عمق الطبقات الأرضية التي تغذي الأشجار، إذ أدت الآليات الثقيلة والانفجارات إلى انضغاط التربة وتلوثها بالمعادن الثقيلة ومخلفات المتفجرات، ما يقلل من نفاذية الهواء والماء إلى الجذور، ويحد من نشاط الكائنات الدقيقة النافعة.
وعند سؤاله: كيف تعود الحياة إلى التربة؟ يجيب: "أولًا استصلاح التربة وعلاجها، وإجراء فحوصات كيميائية دقيقة للتأكد من خلوها من السموم، وتقليبها وإضافة المادة العضوية، أي السماد البلدي المعالَج، لإعادة نشاط البكتيريا والفطريات النافعة، إضافة إلى التقليم التجديدي للأشجار المتضررة، وزراعة غراس محلية مقاومة. وحينها ستحتاج الغراس الجديدة من 3 إلى 5 سنوات للبدء في الإثمار الجزئي، وما بين 7 إلى 10 سنوات للوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري الكامل".
ورغم كل التغيرات الكيميائية التي أصابت ثمار الزيتون فزادتها مرارة، والغبار الذي يغطي أوراقها الناجية بفعل الركام، يواصل مزارعو غزة الاستناد إلى جذوع ما تبقى من أشجارهم. قد يتأخر الإنتاج الوفير لسنوات، وقد يستغرق غرس الغراس الجديدة زمنًا حتى تعطي أُكلها، لكن في كل حبة زيتون صغيرة قصة مزارع رفض أن يخون أشجاره، وواصل الاعتناء بها كأولاده.