(1)
كان لدينا زميل في العمل يعتذر عن كل شيء تقريبا.
إذا تأخر المصعد اعتذر، وإذا تعطلت الطابعة اعتذر، وإذا دخل عليك المكتب وأنت تتحدث في الهاتف اعتذر، وإذا اصطدم أحدهم به في الممر، سارع إلى الاعتذار قبل أن يتبين أيهما المخطئ.
وذات صباح، سكب زميل آخر قهوته على قميص صاحبنا الأبيض، فوقف المسكين يتأمل البقعة البنية التي أخذت تتمدد فوق صدره، ثم رفع رأسه وقال للرجل الذي سكب القهوة:
«معلش، أنا آسف».
لم أتمالك نفسي من الضحك.
سألته: أنت آسف على ماذا بالضبط؟ هل كان ينبغي أن تخلع قميصك قبل أن يسكب الرجل قهوته؟
ضحك هو الآخر، ثم قال جملة لم أفهمها إلا بعد سنوات:
«أنا بعتذر عشان الموضوع يخلص».
كانت تلك فلسفته في الحياة.
الاعتذار ليس اعترافا بالخطأ، وإنما وسيلة لإغلاق الملفات بأقل قدر ممكن من الخسائر.
(2)
راقبت الرجل طويلا.
كان لطيفا إلى درجة مزعجة، لا يختلف مع أحد، ولا يعترض على شيء، ويوافق على اقتراحات يعرف الجميع أنها غبية، ثم يعود إلى مكتبه ليشكو منها بصوت خافت.
وذات يوم، طلب منه مديرنا إنجاز عمل إضافي قبل نهاية الدوام بعشر دقائق.
قال: حاضر.
ثم التفت إليّ بعدما غادر المدير وقال:
«هو الراجل ده فاكرنا عبيد عنده؟».
سألته: ولماذا لم تقل له ذلك؟
نظر إلي بدهشة حقيقية، كأنني اقترحت عليه اغتيال المدير، وقال:
«يا عم إحنا ناقصين مشاكل؟».
أدركت يومها أن الرجل لا يخاف المشاكل بقدر ما يخاف اللحظة التي يضطر فيها إلى اتخاذ موقف.
(3)
كان لصاحبنا طقس يومي آخر.
في تمام الساعة الثالثة، يفتح درج مكتبه، ويخرج قطعة شوكولاتة صغيرة، يأكل نصفها، ويعيد النصف الآخر إلى الدرج.
سألته مرة عن سر هذا التصرف الغريب.
قال إن أمه كانت تمنعه من تناول الحلويات بكثرة، وإنه اعتاد منذ طفولته الاحتفاظ بنصف ما يحصل عليه لليوم التالي.
ضحكت وقلت له:
«يا رجل، أنت الآن في الأربعين، وأمك تعيش على بعد مئتي كيلومتر، ويمكنك شراء مصنع شوكولاتة بالتقسيط إن أردت!».
ضحك، لكنه أعاد نصف القطعة إلى الدرج.
وهنا انتبهت إلى شيء عجيب.
يمكن للإنسان أن يغادر بيت أهله، ويتزوج، وينجب، ويشتري سيارة، ويصبح مديرا على عشرين موظفا، لكنه يظل عاجزا عن أكل قطعة شوكولاتة كاملة، لأن امرأة قالت له قبل ثلاثين عاما إن ذلك لا يجوز.
(4)
غادر زميلنا العمل بعد سنوات.
أقام له الموظفون حفلة وداع صغيرة، وأحضروا قالب حلوى، والتقطوا الصور، وألقى المدير كلمة تحدث فيها عن إخلاصه وتفانيه وروحه الطيبة.
وحين جاء دور صاحبنا ليتحدث، شكر الجميع، واعتذر عن أي تقصير بدر منه طوال سنوات عمله.
حتى في حفل وداعه كان يعتذر!
(5)
بعد أشهر، التقيته مصادفة في أحد المقاهي.
كان يبدو مختلفا.
أكثر ارتياحا، وأقل انحناءً، ويتحدث بصوت أعلى قليلا من المعتاد.
سألته عن عمله الجديد.
قال إنه ممتاز، وإن مديره الجديد يحترم الموظفين، وإنه تعلم أخيرا كيف يرفض الطلبات التي لا تناسبه.
فرحت له.
ثم جاء النادل يحمل فنجاني القهوة، فوضع أمامه قهوة غير التي طلبها.
انتظرت أن يعترض.
تأمل الفنجان قليلا، ثم رفع رأسه وقال للنادل:
«معلش، أنا آسف، بس أنا كنت طالب قهوة سادة».
ضحكت حتى كدت أسقط من الكرسي.
أما هو فضحك أيضا، ثم قال:
«يا أخي، الواحد مش هيتغير في يوم وليلة».
……..
في طريق عودتي، ظللت أفكر في الرجل.
وأدركت أن مشكلته لم تكن في كثرة الاعتذار، بل في اعتقاده أن الحياة يمكن أن تُعاش دون صدام، وأن المرء يستطيع عبورها بسلام إذا أحسن الانحناء بما يكفي.
وهذا، في تقديري، أحد أكثر الأوهام البشرية سذاجة.
فالحياة ليست موظفا لطيفا في دائرة حكومية، يمكن استرضاؤه بكلمتين مهذبتين، ولا هي نادل سيعتذر عن القهوة الخاطئة ويأتيك بغيرها.
الحياة، في أحيان كثيرة، وقحة إلى حد بعيد، ولا تحترم من يعتذر لها عن أخطائها.
وعلى الإنسان أن يقاسيها قليلا، وأن يشتبك معها، وأن يخسر بعض المعارك، ويتلقى بعض الصفعات، ويغضب ويُغضب، ويكتشف أن قول «لا» لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الكون.
بل إنني أعتقد أن قدرا من المشاجرات ضروري للصحة النفسية، تماما كالمشي وشرب الماء، وربما أكثر نفعا من الشوكولاتة التي كان صاحبنا يحتفظ بنصفها في الدرج.
ولذلك، إذا التقيته مجددا، فسأقول له إن عليه أن يتوقف عن الاعتذار، وأن يتعلم كيف يخاصم الحياة قليلا.
وإذا غضب مني، فسيكون ذلك، على الأرجح، أول إنجاز حقيقي أحققه في صداقته.
أما إذا اعتذر، فسأصفعه.
ثم أعتذر له، بالطبع.