غريبة هذه المدينة.. غريبة بكل من فيها وما فيها..
رغم الدمار المتراكم على ظهرها.. آتي إلى هنا لأعيد إعمار نفسي!
ورغم اختناق شوارعها بالغبار وأدخنة النار آتي هنا لأستطيع التنفس..!
الأمر ليس مجرد حب أو تعلق.. بل تأملاتٌ وتساؤلات.. وسؤالٌ عظيم: كيف يحدث هذا؟ كيف يعيدون تشكيل الحياة بعد هذا الخراب كله؟
تتصل بموظف الديلفري فيحدثك بكامل الأدب والاحترام كأنك تتحدث إلى نادل مطعم في أرقى مدن العالم.. يصل إليك طلبك في موعده بدقة.. ووراء هذا كله ترى شابًّا رث المظهر بسيط الحالة غائر العينين متعرق الجبين يقود دراجة هوائية شبه محطمة.. وقد ضل الطريق عدة مرات بسبب وصفك الخاطئ للأماكن التي أخفاها الركام.. لكنه في النهاية يبتسم بحفاوة وهو يترجل عن عجلته ويناولك طلبك.. وحينما تسأله عن الأجرة يقول لك: قد ما بدك يا أستاذ!
تكاد تعانقه عناق إخوة الألم والعذاب.. وتوشك أن تقول له: لو كان بيدي أن أعطيك (قد ما بدي).. لأعطيتك وجهك الذي كان قبل الكارثة يا رفيق الوطن والمعاناة.. ولأعطيتك كل ما أملك..
ترى أطفالًا صُنعوا من مادة الجمال.. يُطِلُّون من أبواب الخيام بملابس مهترئة لكن أنيقة! تقع عيناك على أحذية ممزقة لكن تطل منها أصابع في غاية الرقة والنظافة..
هل تملك سيدة الأرض.. السيدة الفلسطينية الغزية.. أمنا وأختنا وابنتنا.. هل تملك كل هذه الأناقة في روحها رغم هذا العذاب كله؟؟ كيف وهي وسط هذا الموت الغامر تكحل عيني طفلتها في خيمة.. وتغسل أصابع رجل ابنها في الظلام.. وتقدمهما للشمس بهذه النصاعة وهذا البريق؟! كيف تفعلن هذا يا سيدات الأرض؟ يا كنعانيات غزة؟!
وتسير يا صديقي في مجمع تجاري ملتقطًا ما يكفي جلستك مع الكتب والتأملات في إجازة نهاية الأسبوع.. تلك التي تقرر دومًا قضاءها في غزة أينما اتفق..!
تسير وتسير في ممرات المجمّع مراتٍ ومرات.. تتأرجح في يدك سلة لا شيء فيها غير قطعة جبن وبضعة أرغفة وأشياء ضئيلة.. لا تشتري الكثير لأنك لا تستهلك شيئًا! لكنك تشتري في كل مرة عشرات الأسئلة من عيون الناس..! تحدق في الوجوه الطيبة التي لم تزل تصمم على أن في هذه المدينة مراكز تجارية وآلاف الأشياء المسعّرة بعناية وترتيب على الأرفف.. وحياة.. تحدق في الوجوه التي تصر على أن في هذه المدينة حياة.. حياة كاملة جدًّا.. وتتساءل بلا تتوقف.. تتساءل حد الصداع والإعياء..
كيف يفعلون هذا؟ كيف يعيدون تشكيل الحياة من جديد؟
كيف يمنعون وحشية الحرب من التهام ذوقهم العام؟ وكيف لا يضعون بين كل كلمة وكلمة لفظة بذيئة ساخطة متوحشة.. كوجه الحرب؟! كيف يحافظون على أبجدية الكلام ناصعةً بلا لون الدم؟!
إن مجرد وجود بشر على هذه الأرض بعد ما جرى.. هو معجزة! فكيف لو عرفت أنهم لم يزالوا بشرًا ولم يتوحشوا أو يستذئبوا بعد؟! بل كيف لو عرفت أنهم ما زالوا يتمتعون بإنسانيةٍ مرهفة؟! وفوق ذلك.. كيف لو عرفت أنهم يحاولون التشبث بأخلاقهم القديمة ورقيّهم وشكل المجتمع المدني المتحضر الذي كان قبل الكارثة؟!
غير أن لهذا كله حدًّا يا صديقي..
صحيح أنهم لم يزالوا قادرين على الحياة واسترداد إنسانيتهم ولو بكثيرٍ من الكسور التي قد يستحيل علاجها!.. لكنَّ لهذه القدرة حدًّا!
فليكن غدهم بلا غربان الظلام التي أوردتهم المهلكة..
وليكن في طريقهم من يأخذ بيدهم المتشبثة ببقايا إنسانيتهم ويخرجهم من مستنقع حياتهم المتوحشة.. ويعيدهم إلى الطريق.. طريق الإنسانية.. حيث يستطيعون التعافي من هذا الظلم التاريخي الرهيب الذي لن يغفره التاريخ لأحد.