بعد أكثر من عامين من الشلل شبه الكامل لمنظومة القضاء في غزة، أعلنت المحاكم النظامية استئنافًا جزئيًا لعملها منذ ديسمبر/كانون الأول 2025. بدا الخبر ومضة أمل في مدينة أنهكتها الحرب، لكن سرعان ما تلاشى لدى آلاف النساء العالقات بين زواج انتهى فعليًا وطلاق لا يجد طريقه إلى الحكم، إذ لم يكن الاستئناف سوى إجراء رمزي يفتح الأبواب دون تحريك الملفات ويُبقي الواقع القانوني مجمّدًا.
قبل الحرب، سجلت المحاكم الشرعية أكثر من 14 ألف قضية خلال عام 2022 في قطاع غزة، منها آلاف النزاعات الأسرية بين نفقة وحضانة وطلاق، بينما بقي نحو40% منها معلقًا دون فصل نهائي حتى نهاية ذلك العام.
ومع اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تفاقمت الأزمة بعد وقف شبه كامل للعمل القضائي وفقدان الملفات بسبب تدمير البنى التحتية، مما جعل استئناف النظر في القضايا واستئناف تنفيذ الأحكام تحديًا هائلًا.
في أروقة محكمة دير البلح، المبنى الوحيد العامل فعليًا في القطاع، تُستقبل الطلبات وتُسجَّل الدعاوى وتُحفظ المدد القانونية، لكن القضايا لا تُنظر، والأحكام لا تُصدر، والتنفيذ غائب. طوابير من النساء ينتظرن دورًا لا يأتي، يحملن ملفات الطلاق والنفقة والحضانة كدلائل على أزمة بلا أفق زمني.
هنا، تُمارَس العدالة بوصفها إجراءً إداريًا لا منظومة حقوق. هذا الاستئناف الجزئي لا يضع حدًا لمأزق الطلاق والنفقة والحضانة، بل يكرّسه، إذ يخلق وهمًا بالحل في واقع تتآكل فيه الضمانات القانونية. فالزمن يتحول من عنصر إنصاف إلى عبء إضافي، يدفع النساء نحو الفقر والهشاشة. وبينما تُعلّق المحاكم عملها الكامل على ظروف الحرب، تبقى حياة النساء معلّقة على قرارات مؤجلة، في انتظار عدالة تعود بالفعل لا بالاسم فقط.
تقول أسماء محمد (*), وهي أم لطفلين تقيم في خيمة بمنطقة مواصي القرارة، وقد علقت قضيتها منذ عامين: "ذهبت بعد إعلان عودة المحاكم وقدّمت الطلب من جديد، قالوا لي: الملف مسجّل. سألت: متى الجلسة؟ قالوا: لاحقًا. سألت: متى الحكم؟ ابتسم الموظف ولم يُجب".
بالنسبة لأسماء، لم تعنِ العودة الجزئية سوى خطوة إجرائية بلا أثرٍ فعلي. فهي ما زالت بلا حكم طلاق، بلا نفقة، وبلا قدرة على المطالبة بأي حق قانوني. وتردف: "أنا على الورق زوجة، وفي الواقع بلا زوج، وبلا حماية".
هذا الواقع لا يخص أسماء وحدها. فبحسب شهادات محامين وموظفين قضائيين، تعمل المحاكم حاليًا بوظيفة واحدة تقريبًا: الاستقبال دون نظر. لا جلسات موضوعية، لا مرافعات مكتملة، ولا قدرة على البت في النزاعات، خصوصًا قضايا الأسرة التي تحتاج إلى سرعة وحماية.
وحتى في القضايا القليلة التي صدر فيها حكم نهائي قبل الحرب، لم يُعِد استئناف العمل القضائي الجزئي لهذه الأحكام فاعليتها، إذ ما تزال منظومة التنفيذ معطّلة. فقرارات الطلاق والنفقة والحضانة تبقى بلا إلزام أو متابعة، في ظلّ عجز الشرطة القضائية ومحدودية تدخلها، ما يُبقي النزاعات مفتوحة رغم حسمها قانونيًا.
في الواقع، يوضح العاملون في محكمة دير البلح أن العودة جاءت ناقصة ومؤقتة. في مبنى تتشقق جدرانه وتتكسر شبابيكه، يجلس القضاة والموظفون وسط صمتٍ يختلط برنين الأقدام النادرة. أحد الموظفين يقول: "نستقبل القضايا، لكننا لا ننظر فيها".
ويشرح أن العمل يتركز على استقبال الدعاوى وتسجيلها لحفظ المدد القانونية منذ بدء العمل في 21 ديسمبر، بينما لا تزال جلسات النظر في القضايا شبه معدومة، والمحاكم تعمل داخل "محكمة البداية" لأن أقسامًا كاملة، مثل محكمة الصلح، مغلقة بأقفال صدئة.
ويشير عنصر في الشرطة القضائية إلى أن مهمتهم محصورة بتنفيذ أوامر القوة الجبرية للمحاكم الشرعية فقط، وأنهم لا يملكون سيارات أو وقود أو معدات، وأنهم لم ينفذوا أي قرارات صادرة عن المحاكم النظامية حتى الآن.
يقول المحامي مروان بارود، إن ما يحدث في محكمة دير البلح "ليس نظامًا قضائيًا، بل ذاكرة لنظام قضائي، فالمعوقات كبيرة جدًا: نقص الكوادر، تدمّر البنية التحتية، غياب أجهزة التنفيذ، وارتفاع رسوم التبليغ (من 10 إلى 30 شيكل بسبب غلاء المواصلات)، بالإضافة إلى العملة المهترئة".
تقول المحامية نسمة عمر، المتابعة لقضايا النفقة والحضانة: "حتى لو صدر حكم اليوم فهو بلا قيمة. لا جهة تُنفّذه؛ النفقة لا تُجبى، والحضانة لا تُحمى، والزوج المتهرّب يعرف أن لا أحد سيُجبره". ويُرجع ذلك إلى تعطّل منظومة التنفيذ وعجز الشرطة القضائية، ما يجعل الأحكام بلا أثر عملي رغم حسمها قانونيًا. وهنا تكمن المفارقة القاسية: توقف القضاء كان كارثة، لكن عودته بلا تنفيذ أخطر، لأنها تمنح وهم العدالة دون أن توفر أدواتها.
في ظلّ هذا الفراغ التنفيذي، لا ينقذ تسجيل الطلاق المرأة من واقعها، فحتى عندما يُثبت القانون انتهاء الزواج رسميًا، تبقى المرأة المطلقة بلا نفقة مضمونة، وبلا آلية إلزام تضمن لها حق حضانة الأطفال، وبلا حماية فعليّة من الابتزاز أو التهديد. وفي غياب جهة قادرة على تنفيذ الأحكام، تتحول شهادة الطلاق إلى وثيقة بلا أثر، وتبقى المرأة وحدها في مواجهة تبعات الانفصال.
الأثر يمتد بعيدًا عن الأوراق القانونية. دعاء ماجد (*) وهي أم لثلاثة أطفال، تقول إن زوجها هجرها إلى خيمة أهلها في بلدة الزوايدة منذ أشهر، “ولا ينفق علينا ولا يسأل عنا… قلت لي عبر وسطاء: ‘خذي الحكم وعلّقيه على الحائط. لن أدفع شيكلًا واحدًا’”.
تروي سارة حمدي (*) وهي أم لابن يبلغ من العمر سبع سنوات، قصتها بصوت متعب: بعد أن هجرها زوجها إلى مخيم النصيرات منذ أكثر من سنة، تقدمّت بطلب نفقة، لكنها “حصلت فقط على تسجيل على الورق… والآن كلما اتصلت به يهددني بأنني سأفقد الأولاد إذا طلبت حقي”.
في ظلّ هذا الواقع، تضيف المختصة النفسية فلسطين ياسين أن أزمة “النساء المعلقات” ليست مجرد مشكلة قانونية، بل صدمة نفسية مستمرة تغذيها حالة عدم اليقين والانتظار الدائم. وتوضح أن العودة الجزئية للمحاكم قد تكون أشد قسوة لأنها تخلق وهم الأمل ثم تخذله، فتزيد حالة الإحباط وتضعف القدرة على اتخاذ قرار.
وفي غياب التنفيذ، تضيف ياسين أن كثير من النساء اضطررن للعمل في أعمال شاقة لتأمين المعيشة، بينما يضطر البعض إلى ترك أطفالهن في رعاية الأسرة أو سحبهن من المدرسة بسبب ارتفاع التكاليف، ما يدفع بعض النساء للرضوخ لتنازلات قاسية أو البقاء في علاقات مؤذية خوفًا من فقدان المورد الوحيد للأسرة، لتصبحن أخيرًا “معلّقات” بين قانون لا يُنفّذ وحياة لا تُحتمل.
مع غياب العدالة النظامية، لجأ كثير من المواطنين إلى العرف العشائري لفض النزاعات، لكن هذا المسار لا يشكّل حلًا للنساء. يؤكد رجل الإصلاح أبو محمد الطويل أن القضاء العشائري لا يمكن أن يكون بديلًا حقيقيًا في قضايا الأسرة: "الصلح في المشاجرات ممكن، لكن الميراث، الحضانة، حقوق النساء؟ هذه لا تُحسم عرفيًا". العرف يبقى محكومًا بمنطق القوة والصلح الاجتماعي، وليس بمنطق الحقوق والحماية القانونية.
إلى جانب العرف، تعمل الوساطة القانونية ومراكز الدعم الحقوقي على تقديم مسارات بديلة لمساعدة النساء، خاصة خلال الحرب وما بعدها، لكن هذه المسارات تظل تكميليّة ولا تحلّ مكان منظومة عدالة قادرة على الفصل والتنفيذ.
تقدّم هذه الجهات استشارات قانونية ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا، وتعمل على التوعية بحقوق المرأة وإرشادها بشأن الإجراءات القانونية المتاحة، في ظلّ عجز المحاكم عن توفير حماية حقيقية. كما تسعى منظمات أخرى إلى توثيق حالات العنف والانتهاكات وتقديم الدعم القانوني، لكن عملها يبقى محدودًا أمام حجم الأزمة.
في هذا السياق، أكدت مديرة مركز شؤون المرأة أمل صيام، أن خدمات الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي أصبحت ضرورية لمساعدة النساء والفتيات على كسر دائرة العنف والاستجابة لاحتياجاتهن في ظل الأزمات المتواصلة.
وأشارت إلى أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يتطلب استجابة متعددة القطاعات، تشمل الدعم القانوني والحماية الصحية والنفسية، خاصة في سياق الحرب والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الأسر في القطاع. وبغياب العدالة التنفيذية، تبقى هذه الخدمات ملاذًا مؤقتًا للنساء المعلّقات بين قانون لا يُنفّذ وحياة لا تُحتمل.
اليوم تقف النساء المعلّقات في غزة بين نظام قضائي عاد جزئيًا لكنه عاجز، وعرف اجتماعي لا يعترف بحقوقهن كاملة، فلا هذا يحمي، ولا ذاك ينصف. ومع غياب كاتب العدل، وضياع الأرشيفات، وتعطّل التنفيذ، تبقى هوية المرأة القانونية نفسها معلّقة: لا هي متزوجة بحق، ولا مطلقة بحق، ولا قادرة على البدء من جديد.
استئناف العمل القضائي، كما هو قائم الآن، لم يُنهِ مأساة النساء المعلّقات، بل أعاد إنتاجها بشكلٍ أكثر قسوة، حيث تُدار العدالة بالحد الأدنى وتُحمّل الضحايا عبء الانتظار من جديد؛ فعدالة لا تُنفّذ، لا تُنقذ أحدًا.
(*) أسماء مستعارة