قبل أن ينتصف النهار، تجلس منال محمد (42 عامًا) مع ابنتها تحت خيمة في مركز إيواء بدير البلح. رغم وقف إطلاق النار، تظلّ تراقب كل حركة. "أنتظر حتى تتحرك شاحنة المياه، فأرسل ابني الأكبر مع الجالون البلاستيكي. المخاطرة ليست في القصف الآن، بل في الماء نفسه. أعرف أنه ملوث، لكن ما البديل؟ العطش أم المرض؟" تقول الأم التي اضطرت للنزوح عدة مرات منذ بداية الحرب، ولا يزال الحذر جزءًا من يومها.

هذا المشهد اليومي ليس حالة فردية، بل هو انعكاس لانهيار منهجي طال موارد الحياة الأساسية في قطاع غزة. فأصبحت البيئة المحيطة بالسكان مصدر مباشر للتهديد: مياه الشرب مختلطة بمخلفات الصرف الصحي، جبال النفايات تتكدس بجانب الخيم، والهواء محمّل بغبار الركام السام. لم يعد الخطر محصورًا في القذائف، بل تسلل إلى كل قطرة ماء تشربها العائلات، وكل لقمة طعام تصل إلى أفواه الأطفال، وكل نسمة هواء يأخذونه.

تعطّل شبكات المياه والصرف الصحي خلق بيئة منهكة تختفي فيها الحدود بين ما يُفترض أن يكون آمنًا وما يشكّل خطرًا. ومع غياب القدرة على الضخ والمعالجة المنتظمة، يصبح الماء ناقلًا صامتًا للمشاكل، لا حلًا لها، ويضع السكان أمام معادلة قاسية تتمثل في تلبية الحدّ الأدنى من الاحتياجات مقابل مخاطر صحية متزايدة.

تكشف البيانات الصادرة عن سلطة المياه الفلسطينية عن واقع مائي شديد الهشاشة في قطاع غزة. فحصة الفرد اليومية من المياه تراجعت إلى ما بين 3 - 5 لترات فقط، في وقت تُحدّد فيه المعايير الدولية الحد الأدنى اللازم للحياة الآمنة بما لا يقل عن 50 - 100 لتر يوميًا.

 

 

يشير د. أيمن الرملاوي، مدير قسم الصحة البيئية والسلامة المهنية في وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، إلى أن الوضع كارثي بكل المقاييس، إذ إن الحد الأدنى الدولي للبقاء الآمن يبدأ من 50 لترًا يوميًا للفرد.  ما نراه في غزة هو انهيار تام لمنظومة المياه، حيث لم تعد القدرة متاحة لتلبية أبسط الاحتياجات اليومية، من الشرب والطهي إلى النظافة الشخصية، وتحولت شبكات التوزيع إلى أوعية ناقلة للأمراض.

لا تقف الكارثة عند كمية المياه، بل تطال جودتها بشكل لم يسبق له مثيل. يُظهر بيان مشترك لسلطة المياه الفلسطينية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني "وفا" أن 97% من المياه المتاحة للمواطنين لا تتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية للسلامة. يضيف الرملاوي: "هذا يعني أن السكان إما أن يعطشوا، أو أن يشربوا سمًّا بطيئ المفعول".

ويكشف تحليل للبيانات الميدانية أجرته وحدة تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (OCHA) حجم الدمار البنيوي: فقد تعطلت 86% من مرافق المياه والصرف الصحي كليًا أو جزئيًا. كما دُمّر 99% من شبكات المياه والصرف الصحي. ولم تسلم مضخات المياه من الدمار، حيث تعرضت 20 مضخة للتدمير الكلي و27 أخرى للتدمير الجزئي (أي حوالي 60% من إجمالي 79 مضخة في غزة).

يعني هذا عمليًا أن معظم محطات وخطوط مياه غزة متوقفة أو محدودة العمل، ما يصعِّب وصول المياه عن السكان في الخيام والمنازل ويرفع مخاطر الأمراض، ويجعل توفير الحدّ الأدنى الصحي البالغ 50 لترًا يوميًا للفرد مستحيلًا، مؤثرًا على جميع السلسلة اليومية بما فيها الطبخ والغسيل والنظافة الشخصية، خاصّة للأطفال وكبار السن.

أما في جانب الصرف الصحي، فقد أدى تدمير الشبكات والمضخات إلى تدفّق المياه العادمة في الشوارع والأماكن العامة، ووصولها إلى البحر دون معالجة. ومع استمرار انقطاع الكهرباء ونقص الوقود اللازم لتشغيل محطات المعالجة، لم يعد الصرف الصحي مجرد نتيجة للأزمة، بل أحد مصادر إنتاج التلوث، ما عمّق الأزمة البيئية ورفع المخاطر الصحية على السكان.

 

 

 

في أحد مخيمات النزوح، تقول أم محمد أبو يوسف (48 عامًا) وهي تملأ عبوة صغيرة من صهريج متنقل: "نحسب الماء بالقطرات، نشرب ونطبخ من الكمية نفسها، وأطفالي يمرضون باستمرار". وعلى بُعد أمتار، يشير ابنها محمود (12 عامًا) إلى بركة مياه عادمة أمام خيمته: "نلعب بعيدًا عنها، لكن الرائحة تلاحقنا طوال الوقت".

مع تدهور منظومة المياه، لم يعد الصرف الصحي قضية منفصلة؛ فتعطل الضخ والمعالجة أدى إلى اختلاط المياه المحدودة بمخلفات غير معالجة، وظهور التلوث في الشوارع ومحيط المنازل ومراكز الإيواء، محولًا أزمة المياه من نقص وجودة إلى تهديد صحي وبيئي مفتوح. 

ومع تضرر آليات جمع النفايات، انتشرت مكبات عشوائية داخل الأحياء السكنية، فأصبحت النفايات السائلة والصلبة معًا مصدرًا دائمًا للتلوث والحشرات والأمراض، وضغطًا صحيًا متواصلًا على السكان، خصوصًا في المناطق المكتظة بالنازحين.

تقول المهندسة البيئية إسلام الهبيل: "لم نعد نستطيع الحديث عن أزمة صرف صحي منفصلة، ما يحصل هو خروج كامل للمنظومة عن السيطرة. عندما تتعطل المضخات، تفيض المياه العادمة من الشبكات إلى الشوارع. وعندما تتوقف آليات جمع النفايات، تتحول الأحياء إلى مكبات مفتوحة. لقد انتقل التهديد من تحت الأرض إلى أمام عيون الأطفال".

وتشير أرقام برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) إلى أن سكان غزة ينتجون يوميًا نحو 2000 طن من النفايات الصلبة، لكن الحرب خلفت تراكمًا هائلاً يقدر بنحو 710 آلاف طن من المخلفات المنزلية والطبية والبشرية، موزعة على 190 مكبًا عشوائيًا مؤقتًا داخل الأحياء السكنية. وتوضح الهبيل: "لقد دُمّرت 141 آلية جمع و3876 حاوية، ففقدت البلديات أي قدرة على الإدارة".

في منطقة ميدان فلسطين المكتظة بالسكان وسط مدينة غزة، يصف أبو أحمد الخزندار المشهد قائلًا: "النفايات تحاصر بيوتنا من كل جانب، نحرق جزءًا منها لتخفيف التكدس، لكن الدخان يخنق الأطفال ويزيد المرض".

هكذا، لم تعد الأزمة مجرد خلل في الخدمات، بل واقعًا يوميًا يفرض على السكان التعايش مع المياه الملوثة، والروائح الخانقة، ومخاطر صحية تتسع بصمت، فيما تتراجع قدرة المؤسسات على الاستجابة مع اتساع حجم الدمار.

 

 

لم يقتصر الدمار على البيئة الحضرية، بل امتد إلى الأراضي الزراعية والمزارع والثروة الحيوانية، ما جعل الأمن الغذائي هشًا بشكل غير مسبوق. فبحسب تقرير مشترك صادر عن منظمة الأغذية والزراعة (FAO) وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، لم تعد سوى أقل من 5% من الأراضي الزراعية في غزة صالحة للاستخدام، ما يعكس تراجعًا حادًا في القدرة الإنتاجية ويفاقم هشاشة الأمن الغذائي للسكان.

تشير التقارير الدولية إلى أن نحو 95% من الأراضي الزراعية في غزة لم تعد صالحة للزراعة بسبب التدمير المباشر، تعطّل الري والآبار، تلوث التربة، ومنع الوصول إليها، إضافة إلى نقص الوقود والأسمدة والبذور، ما حولها من مصدر للغذاء والدخل إلى أراضٍ متدهورة، وقلّص الإنتاج المحلي بشكل حاد.

يقول الخبير البيئي نزار الوحيدي إن الحرب على غزة تسببت في تدمير 67.6% من الأراضي المزروعة خلال الحرب. والأسوأ أن 79.5% من البيوت البلاستيكية دمرت، مما يعني نهاية الزراعة المحمية والقدرة على إنتاج الخضروات على مدار السنة. 

ويضيف: "حتى لو عاد السلام غدًا، فكيف نزرع؟ 80% من آبار الري تضررت، والتربة مغطاة بالركام ومختلطة بمواد سامة من الركام. لقد قتلوا الأرض قبل أن يقتلوا الناس".

وقد تحولت مكبات النفايات العشوائية ومياه الصرف غير المعالجة إلى بيئة خصبة للأمراض والحشرات، بينما تتدفق مياه الصرف في الشوارع نتيجة تدمير البنية التحتية. 

يشير الوحيدي إلى أن إعادة الزراعة ممكنة، لكنها عملية طويلة ومعقدة تشمل إزالة الركام والملوثات، استصلاح التربة، إصلاح شبكات الري، توفير البذور والأسمدة، واعتماد تقنيات ري موفّرة، مع دعم تقني ومالي للمزارعين، وقد تبدأ الزراعة المحدودة خلال موسم أو موسمين، فيما يستغرق استعادة الإنتاجية شبه الكاملة عدة سنوات.

 

هذا الانهيار البيئي المتسارع يفرض ثمنه الباهظ على صحة السكان. فالغبار والرماد الناتج عن تدمير المنازل والمنشآت، بما في ذلك الجسيمات الدقيقة لمكونات الإسمنت والركام، تتسرب إلى الجهاز التنفسي للسكان، مسببة مشاكل مزمنة في التنفس، وتضاعف احتمال الإصابة بـ سرطان الجهاز التنفسي على المدى الطويل.

أصحاب الأمراض المناعية والهشة مثل الربو يعانون بشكل مضاعف، إذ يزيد التعرّض المستمر للملوثات من مضاعفات حالتهم الصحية ويحوّل التنفّس إلى تحدٍ يومي. في غزة، يحمل الهواء آثار الحرب؛ غازات سامة وغبار كثيف تتسلل إلى الرئتين والدم والتربة والمياه الجوفية، ما يزيد خطر الالتهابات الرئوية المزمنة وتليّف الرئة وسرطانها. 

رفيف عزيز، المصابة بالربو، تصف تجربتها: "منذ عامين وحالتي تتدهور باستمرار. أتحسّن أيامًا قليلة ثم يكفي أن أستنشق رائحة غريبة لأعود إلى نقطة الصفر. صرت مقتنعة أنني سأُصاب بتليّف الرئة أو بسرطانها؛ فالأمر لم يعد احتمالًا بعيدًا، بل مسألة وقت فقط".

ويؤكد استشاري الباطنة والصدرية د. أحمد الربيعي تسجيل ارتفاع "غير مسبوق" في حالات الالتهابات الرئوية الحادّة، خصوصًا بين مرضى الربو، نتيجة التعرض المستمر لجسيمات دقيقة مثلPM10 ، والفسفور الأبيض، والمواد الكيميائية الناتجة عن القصف، ما يسبب تلف الخلايا والتهابات مزمنة وتأثيرات محتملة على الدم والقلب. 

كما يوضح أن أصحاب الأمراض المزمنة مثل الربو والسكري يعيشون كابوسًا مضاعفًا، إذ تزداد مضاعفات حالتهم الصحية في بيئة ملوثة، بينما تصل القدرة الاستيعابية للمرافق الصحية إلى مستويات تفوق 200%، مما يجعل الوصول إلى الرعاية الطبية صعبًا جدًا ويضاعف خطر المضاعفات الطويلة الأمد.

 

تشير تقارير مركز الميزان لحقوق الإنسان إلى أن تدمير البنية البيئية في غزة ليس مجرد أضرار جانبية للحرب، بل يمثل نهجًا ممنهجًا يهدّد مقوّمات الحياة الأساسية، من المياه والصرف الصحي إلى إدارة النفايات والتربة والهواء، ما يضاعف المخاطر الصحية والغذائية على السكان. 

ويصف المركز هذا النمط من التدمير بأنه "إبادة بيئية"، إذ يعيق بقاء السكان ويحوّل البيئة إلى تهديد مباشر لحياتهم، ويقع ضمن نصوص اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948 والقانون الدولي الإنساني وجرائم الحرب.

ويضيف حسين حمّاد، باحث في مركز الميزان: "تدمير البيئة في غزة يؤثر مباشرة على صحة السكان وقدرتهم على البقاء، ويحوله إلى تهديد طويل الأمد، مع آثار صحية وبيئية خطيرة".

للحدّ من الأزمة، يُوصي خبراء في بيانٍ صادرٍ عن الميزان بضرورة فتح المعابر فورًا لإدخال الوقود، فلاتر المياه، والمبيدات الآمنة، وإعادة تشغيل مضخات المياه ومحطات معالجة الصرف لضمان استدامة المنظومة، إلى جانب تدخل المجتمع الدولي للتحقيق في استخدام البيئة كسلاح حرب، ورصد ومراقبة مستمرة للنفايات والتلوث لحماية الصحة العامة والبيئة.