في أحد مراكز الإيواء المكتظة غرب مدينة غزة، عاد محمد راضي (10 سنوات) من النقطة التعليمية، وضع حقيبته على عجل داخل الخيمة، ثم حمل بسطته الصغيرة واتجه إلى باب المركز ليبدأ يوم عمله. بعد انقطاع دام عامين، عاد إلى متابعة الدروس، لكنه لا يحقق تقدمًا ملحوظًا، ويجد صعوبة في القراءة والحساب مقارنة بأقرانه. سؤاله اليومي بات مرتبطًا بالعمل: "هل أعمل اليوم أم غدًا؟".

يقف أمام بوابة المركز يبيع مواد بسيطة للنازحين والمارة، ويمضي ساعات في الانتظار والمناداة. المبلغ الذي يجمعه يوميًا يساهم في تغطية احتياجات أسرته الأساسية. تقول والدته إن استمرار تعليمه ضروري، لكن ضغط المعيشة يجعل العمل خيارًا مفروضًا لا يمكن تجاهله خاصّة بعدما فُقِد والده في قصفٍ طال منزل أحد الأقارب، فأصبح يشارك والدته إعالة اخوته الأربعة.

المعلمون في النقطة التعليمية يشيرون إلى أن الأطفال الذين انقطعوا لعامين يواجهون فجوات تعليمية واضحة. بالنسبة لمحمد، ينقسم يومه بين حقيبة دراسية لا تسد هذه الفجوات، وبسطة تضع على عاتقه مسؤوليات تفوق سنّه.

الواقع الذي يعيشه راضي ليس فرديًا، بل صورة مكثفة لتحول أوسع تكشفه الأرقام الصادرة عبر مراكز الإحصاء المحلية، فالطفولة في فلسطين تتغيّر تحت ضغط الحرب والفقر وضعف منظومة الحماية.

تستند هذه القصة الصحفية المدفوعة بالبيانات إلى قراءة تحليلية لبيانات حديثة حتى نهاية عام 2025؛ تكشف ليس فقط حجم الانتهاكات، بل أيضًا العلاقة السببية بين الانهيار الاجتماعي وتصاعد المخاطر التي يتعرّض لها الأطفال.

وتشير البيانات إلى أنّ أكثر من مليوني نازح في قطاع غزة يعيشون في ظروف غير مستقرة، نصفهم تقريبًا من الأطفال. وفي الوقت نفسه، دُمّر نحو ثلثي المساكن، ما يعني أنّ ملايين الأطفال فقدوا البيئة الأساسية للحماية ألا وهي "البيت".

الحرب على قطاع غزة (2023-2025) لم تُغيّر الجغرافيا فقط، بل أعادت تشكيل التركيبة النفسية والاجتماعية لجيل كامل. فقد تجاوز عدد القتلى 70 ألفاً، بينهم نحو 20 ألف طفل، فيما شكّلت النساء والأطفال معاً قرابة 70% من الضحايا.

ويشير مختصون إلى أنّ هذه الأرقام تُمثل مؤشرًا على بيئة عالية الخطورة تنمو فيها الطفولة تحت الضغط والخوف والصدمة. فحين يعيش الطفل في بيئةٍ غير آمنة، تتحوّل الأولويات من التعليم والنمو إلى البحث عن سبل البقاء.

 

الطفولة تحت الضغط: ماذا يحدث فعلياً للأطفال؟

يُشكّل الأطفال نحو 42% من السكان، أي أن ما يقارب نصف المجتمع من الفئة العمرية الأضعف والأكثر تأثرًا بالتحولات العامة. وهذا يعني أنّ أي تغير اجتماعي أو اقتصادي لا يبقى محصورًا في نطاق ضيق، بل ينعكس مباشرة على شريحة واسعة من الأطفال وأسرهم. 

ومع تراجع الظروف المعيشية وازدياد معدلات الفقر، تشير البيانات إلى وجود أكثر من 28 ألف طفل عامل، في مؤشرٍ واضح على اتساع الظاهرة وتحولها إلى واقع يومي.

حين ترك أحمد مهدي (13 عامًا) المدرسة قبل ثلاثة أعوام دراسية، تحت وقع النزوح والقصف الشديد، ظنّ حينها أنّ الغياب مؤقت. لكن الوقت طال، ومع مرور الوقت أصبح واحدًا من بين 27.8% من الأطفال العاملين خارج التعليم، حيث لم يعد العمل نشاطًا عابرًا بل بديلاً فعليًا عن المدرسة.

يعمل أحمد في مصنع بدائي لإنتاج السولار الصناعي، يقضي نحو 40 ساعة أسبوعيًا بين براميل الوقود والروائح الثقيلة. فيما يتقاضى أجرًا زهيدًا يُساهم به في إعالة أسرته، فيما تتراجع فرص عودته إلى الدراسة مع كل يوم عمل إضافي.

مع الإرهاق المستمر والابتعاد الطويل عن الصفوف، تتسع الفجوة التعليمية أمامه. في هذا الواقع، تبدو المدرسة خياراً مؤجلاً، بينما يترسخ العمل كمسار مفروض يصعب الخروج منه بمرور الوقت.

المستشار التربوي أشرف كحيل ينبّه إلى أن ملامح الطفولة في قطاع غزة تتغيّر تحت ضغط الواقع الاقتصادي والحرب، موضحًا أن الأطفال لم يعودوا يبحثون عن ألعاب أو مساحات للترفيه، بل عن فرص عمل صغيرة مثل بيع الماء، أو حمل البضائع، أو الانخراط في مهن قد تكون خطرة وغير ملائمة لأعمارهم. 

ويضيف أن عددًا منهم لم يدخل المدرسة منذ سنوات، وبعضهم لم يعد يعرّف نفسه بوصفه "طفلًا"، في ظل تحمّله مسؤوليات تفوق سنّه وتغيّر نظرته إلى دوره داخل الأسرة والمجتمع.

ويحذّر كحيل من أن الأضرار المستقبلية لن تتوقف عند حدود الانقطاع عن التعليم، بل ستمتد إلى تداعيات أعمق، تشمل التأخر في النمو المعرفي، وضعف التحصيل الدراسي، وارتفاع معدلات الغياب والتسرّب، إضافة إلى زيادة الأمية بشقيها الأبجدية والمعرفية. 

كما يشير إلى تأثيرات اجتماعية واقتصادية طويلة المدى، من بينها ضعف المهارات الحياتية والاجتماعية وصعوبات التواصل، ما قد ينعكس سلبًا على علاقاتهم الشخصية وفرصهم المهنية مستقبلًا.

وتدعم هذا الطرح أرقام حديثة تشير إلى أنّ أكثر من 645 ألف طفل في قطاع غزة خارج المدرسة منذ بدء الحرب، ما يعني أنّ شريحة واسعة من الأطفال تعيش انقطاعاً تعليمياً طويلاً يُهدد بتحوّل التعطّل المؤقت إلى تسرب دائم؛ مما يعمّق الآثار النفسية والاجتماعية.

 

تشير البيانات المحلية لا سيما ما ورد في ورقةٍ بحثية صادرة عن مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية معنونة بـ "الحماية الاجتماعية للأطفال في فلسطين"، إلى أنّ العلاقة بين الفقر وعمالة الأطفال ليست ارتباطًا عابرًا، بل علاقة سببية واضحة. فمع تراجع الحماية الاجتماعية، تضطر الأسر إلى الاعتماد على عمل الأطفال كاستراتيجية بقاء.

في حالات موثقة، يعمل الأطفال لإعالة أسرهم أو لتعويض فقدان معيل، أو حتى لتغطية تكاليف الغذاء اليومي. ويؤكد عاملون في مجال الحماية، منهم ريم فريحات المديرة التنفيذية لجمعية عايشة لحماية المرأة والطفل أن كثيرًا من الأطفال يبدأون العمل مبكرًا جدًا، ما يخلق دورة طويلة من الفقر، حيث يتحول الطفل العامل إلى بالغ منخفض التعليم والدخل.

حين يضعف النظام: فجوة الحماية المؤسسية

رغم وجود منظومة رسمية لحماية الأطفال تقودها وزارة التنمية الاجتماعية، وتستند إلى قانون الطفل ونظام التحويل الوطني، ورغم أن قانون الطفل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2004 يحظر استغلال الأطفال في التسول أو الأعمال الخطرة، ويكفل حقهم في التعليم والحماية من العنف، فإن الوقائع الميدانية تكشف اتساع الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي.

في الضفة الغربية وحدها، يتولى نحو 40 مرشد حماية متابعة آلاف الحالات سنويًا، وهو عدد لا يتناسب مع حجم البلاغات والاحتياجات المتزايدة، ولا يتيح متابعة نوعية ومستدامة لكل حالة.

وعلى مستوى التمويل، تظهر بيانات وزارة التنمية الاجتماعية ضعفًا في مخصصات الحماية ضمن الموازنة العامة، إذ تبين أنّ 1% فقط من الإنفاق مخصص للخدمات التشغيلية المرتبطة بالحماية، فيما تراجعت نسبة الحماية الاجتماعية من إجمالي الإنفاق خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس تضاؤل الأولوية الممنوحة لهذا القطاع.

وتشير فريحات إلى أنّ هذه المؤشرات تعكس هشاشة بنيوية في نظام الحماية على المستوى الوطني؛ فالنظام لا ينهار بصورة مفاجئة، بل يتآكل تدريجيًا كلما اتسعت الفجوة بين الاحتياجات المتصاعدة والموارد المتاحة، في سياق تزداد فيه المخاطر الواقعة على الأطفال تعقيدًا وحدة.

في هذا السياق، تظهر بيانات الموازنة أن مخصصات الحماية التشغيلية لا تتجاوز 1% من إجمالي الإنفاق العام، وهي نسبة تطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة على الاستجابة لارتفاع أعداد الأطفال المتضررين من الحرب، وتزايد البلاغات المرتبطة بعمالة الأطفال والتسول والعنف. كما أن عدد مرشدي الحماية المتاح لا يتناسب مع حجم الحالات المتنامية، ما يحدّ من إمكانية المتابعة النوعية والمستدامة.

وفي رد رسمي على استفسارات مراسلة "آخر قصّة- LAST STORY"، أكد محمد القرم، مدير دائرة حماية الطفولة بوزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية استمرار الوزارة في تقديم خدمات الحماية للأطفال والعمل بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات الدولية لضمان وصول الدعم إلى الأسر الأكثر هشاشة، رغم التحديات المالية والإنسانية الراهنة. وأوضحت أن الحرب وتراجع الموارد أثّرا على القدرة التشغيلية، إلا أن الجهود مستمرة للحفاظ على استمرارية الخدمات.

غير أن مختصين يرون أن اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات المتزايدة والموارد المتاحة يعكس ضغطًا بنيويًا متصاعدًا على النظام، حيث ترتبط زيادة المخاطر التي يتعرض لها الأطفال مباشرة بضعف التمويل ونقص الكوادر.

 

عند إشارة في شارع الوحدة وسط مدينة غزة، يقف محمد سمير (11 عامًا) كل صباح، يراقب السيارات بعينين تبحثان عن نظرة عطف. فقد والده في القصف، وأصبح الخروج إلى الشارع جزءًا من يومه. يقول بصوت منخفض يكاد يضيع تحت ضجيج المحركات: "أختي الكبرى تجبرني على الخروج كل يوم، يجب أن أجلب عشرة شواكل على الأقل، وإلا لن نأكل".

محمد واحد من بين 206 أطفال سُجلوا في التسول، 181 منهم ذكور. يقضي ساعات طويلة تحت الشمس، يتنقل بين المركبات، وأحيانًا يتعرض للزجر أو الطرد. في بعض الأيام يعود بلا شيء، وفي أيام أخرى يجمع مبلغًا بالكاد يكفي لشراء أرغفة خبز قبل أن يعود إلى الخيمة التي تؤويه أسرته. لا يعرف إن كان سيعود إلى المدرسة، لكنه يعرف أن المكوث في الشارع أصبح جزءًا ثابتًا من يومه.

تعكس قصته واقعًا أوسع، حيث يتحول التسول من مخالفة قانونية إلى نتيجة مباشرة للفقر وفقدان المعيل وضعف الحماية. ففي هذه البيئة تتقاطع المخاطر وفي ظلّ ضعف الحماية ترتفع معدلات الانتهاكات؛ إذ تشير البيانات إلى تسجيل 41 حالة تحرش جنسي، غالبيتها لفتيات، إضافة إلى 206 أطفال في التسول، منهم 181 ذكرًا، ما يعكس اتساع دائرة المخاطر التي تحيط بالأطفال في الفضاء العام. 

كما تظهر الأرقام الواردة عن المرصد أن نحو 9% من الأطفال تعرضوا للعنف من مقدمي الرعاية أنفسهم، وهو مؤشر شديد الحساسية، لأنه يعني أن مصدر الحماية قد يتحول إلى مصدر خطر.

المختصة النفسية أنوار أبو زايدة تقول إن الطفل الذي يعيش تحت العنف أو التهديد المستمر يطور آليات دفاع نفسية قد تتحول لاحقًا إلى سلوك عدواني أو انسحاب اجتماعي أو صدمات طويلة الأمد. بالنسبة لمحمد، لا يبدو الخطر دائمًا واضحًا، لكنه حاضر في تفاصيل يومه، من نظرات عابرة إلى توتر يرافقه حتى بعد عودته إلى البيت.

 

كيف تتغير الطفولة؟

تكشف الأرقام والتحليلات مسارًا مقلقًا: الطفولة تمرّ بتحوّل عميق من التعليم إلى العمل، من الأمان إلى الخطر، من الرعاية إلى منطق البقاء. ليس الأمر تغيّرًا عابرًا، بل إعادة تشكيل صامتة لمرحلة يُفترض أن تكون محمية.

المختص الاجتماعي والنفسي عرفات حلس يصف الأطفال بأنهم "أكثر صمتًا"، بينما يراهم آخرون "أسرع نضجًا مما ينبغي". غير أن هذا النضج المبكر لا يعكس قوة، بل استجابة قسرية لبيئة غير مستقرة، يتعلم فيها الطفل كبح احتياجاته وتحمل أعباء تتجاوز عمره.

ويؤكد حلس أنّ تقارير الحماية تشير إلى أن الأطفال في بيئات الحرب والعنف يواجهون معدلات أعلى من القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة. وهو ما لا يظهر دائمًا بشكل مباشر، بل قد يتجلى في عدوانية، انسحاب اجتماعي، صعوبات تعلم، أو فقدان الإحساس بالأمان، وسط تخوفات من آثار قد تمتد لسنوات، مهددة التماسك الاجتماعي.

ويحذر حلس من أنّه إذا استمرت المؤشرات دون تدخل فعّال، فإنّ التداعيات ستتجاوز الطفولة نفسها: جيل منخفض التعليم، ارتفاع في العنف المجتمعي، دورة فقر طويلة، وضغط إضافي على نظام اجتماعي هش. القضية، إذن، لا تتعلق فقط بحماية أطفال اليوم، بل بشكل المجتمع غدًا.

فالمعطيات تشير إلى ضغط بنيوي متشابك: حرب، فقر، ضعف تمويل، نقص كوادر، وتراجع في الحماية الاجتماعية. صورة واحدة تتضح: منظومة حماية تتآكل تدريجيًا، وطفولة تُدفع نحو الهشاشة. وإذا كان الأطفال يشكلون 42% من المجتمع، فإن تآكل منظومة حمايتهم اليوم لا يعني فقط هشاشة طفولتهم، بل هشاشة مستقبل مجتمعٍ كامل.