في خضم ما خلّفته الحرب من خوف وفقد وانعدام أمان، تُدفَع الفتيات في غزة إلى الزواج باعتباره حلًا اضطراريًا للنجاة، كمحاولة لحماية الفتاة من العنف، أو لتخفيف العبء الاقتصادي على الأسرة، أو لتأمين ما يشبه الاستقرار وسط الخراب والنزوح. هناك، تخلع الطفلة براءتها لترتدي ثوب زوجةٍ محملة بمسؤولياتٍ تفوق طاقتها، ويبدأ ضغط نفسي مستمر يلتصق بها كظلّ لا يفارقها.

الأخطر أنّ هذا التحول لا يبقى محصورًا في حياة الفتاة وحدها، بل يمتد أثره إلى المشهد النفسي للأطفال عمومًا، داخل أسر تتخذ قراراتها تحت وطأة الخوف لا الاستقرار. ومع تآكل شبكات الحماية، يصبح الزواج المبكر جزءًا من بنية الأزمة نفسها، لا مجرد انعكاس لها، إذ يساهم في تعميق القلق والاضطراب وإعادة إنتاج الصدمة داخل الفضاء الأسري.

تتبع هذه القصة الصحفية المدفوعة بالبيانات هذا المسار المتشابك، لتكشف كيف يتقاطع تصاعد زواج القاصرات مع تفاقم أزمة الصحة النفسية لدى الأطفال، بوصفهما نتيجتين متداخلتين لحربٍ لم تتوقف آثارها عند حدود الدمار، بل امتدت إلى تشكيل مسارات الحياة ذاتها.

تزوجت أمل (*) قبل بضعة شهور بابن عمتها وهي في سن الرابعة عشرة، فعندما طلبتها عمتها وافق والدها دون تردد. لم يكن هناك زفاف ولا فستان ولا احتفال، وكأن الأمر كان مجرد محاولة للتخلص من عبء ثقيل. هكذا تروي أمل، الطفلة القادمة من خان يونس جنوب قطاع غزة، قصتها مع الزواج المبكر. 

تقول: "قلت لنفسي ربما ستكون الحياة أفضل، ربما سيهتم بي أحدهم ولن أنام جائعة. لكن ليلة زفافي كانت قاسية للغاية". بسبب سوء التغذية والهزال الناتج عن شهور من النزوح والضغط النفسي، تعرّضت أمل لنزيف حاد في ليلة زواجها الأولى. 

وأضافت بحزن ارتسم على ملامحها: "تزوجت لأهرب من محنة، لأجد أخرى". اليوم، ترى أمل أن إنجاب طفل شبه مستحيل، وتتساءل: "كيف سأطعم طفلي؟ وهل سيتحمل جسدي الحمل والولادة؟".

مسؤولة برنامج المراهقين والشباب في صندوق الأمم المتحدة للسكان، سيما العلمي، توضح أن "بعض العائلات ترى في الزواج استراتيجية للبقاء في ظل النزوح والفقر وانعدام الأمن، بينما يعتقد آخرون أنه يوفر الحماية في الملاجئ المكتظة أو يساعد في تخفيف المصاعب الاقتصادية التي تلي انهيار سبل العيش". 

يتقاطع حديثها مع ما أشار إليه المختص الاجتماعي عرفات حلس الذي قال إن ظروف الحرب وضغوط الحياة اليومية تحوّل الزواج المبكر من خيار تقليدي إلى أداة للبقاء في بيئة محفوفة بالمخاطر.

على مدى العقدين الماضيين، تراجع معدل زواج الفتيات في غزة من 25.5% عام 2009 إلى 11% بحلول عام 2022، قبل أن يسجل ارتفاعًا بعد الحرب الإسرائيلية في أكتوبر 2023، ما يبرز التأثير المباشر للأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنزوح المستمر على هذه الظاهرة. 

وخلال فترة قصيرة، أصدرت محاكم الطوارئ أكثر من 400 رخصة زواج لفتيات تتراوح أعمارهن بين 14 و16 عامًا، فيما أفاد 71% من المشاركين في دراسة حديثة لصندوق الأمم المتحدة للسكان بزيادة الضغط لتزويج الفتيات دون سن 18 عامًا. تعكس هذه الأرقام العلاقة المباشرة بين الزواج المبكر والفقر المستمر، وتسلط الضوء على العواقب الاجتماعية العميقة للحرب على الأطفال والفتيات في غزة.

الأرقام في التمثيل السابق، فيما يتعلق بما يلي أكتوبر 2023 هي أرقام تقديرات مبنية على بلاغات محاكم الطوارئ ومسوح صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في مراكز النزوح، نظراً لتوقف السجلات المدنية الرسمية عن العمل بانتظام.

في ظروفٍ أكثر ثقلا تبدد حلم هبة (*) من بيت حانون شمال قطاع غزة، التي تزوجت في سن 16 عامًا، في إطلاق مشروع صالون تجميل وتحقيق مستقبل مستقل خاص بها، عندما أجبرتها الحرب والضغط الاقتصادي على الزواج المبكر. 

لكن الأصعب كان عندما تعرضت لحالات متكررة من الإجهاض خلال ستة أشهر، وأصبحت تعاني من آثار سوء التغذية وفقر الدم، ما جعل حملها وولادتها المستقبلية محل قلق شديد. تقول هبة: "الحرب سلبت مني بيتي وعملي، وحتى حملي… أفكر أحيانًا في أن أصبح أما، لكن قلقي الأكبر هو إن كنت سأتمكن من إطعام طفلي وهل سيتحمل جسدي الحمل والولادة؟".

من جانب صحي، يشير رئيس قسم النساء والتوليد في مجمع ناصر الطبي، الطبيب أحمد الفرا، إلى أن سوء التغذية والضغوط النفسية المرتبطة بالحرب ساهمت في ارتفاع حالات الإجهاض والمضاعفات بين الحوامل في غزة، ما يعكس هشاشة الجسد الذي لم يكتمل نموه بعد لدى المراهقات.

أما على الصعيد النفسي، توضح أخصائية الطب النفسي الطبيبة سماح جبر، أن الصدمات المستمرة المرتبطة بالحرب تؤثر على الصحة النفسية للأطفال واليافعين، وأن الضغوط الاجتماعية مثل الزواج المبكر والحمل في سن صغيرة تضيف عبئًا نفسيًا إضافيًا يتفاقم مع عوامل النزوح، الخوف، وانعدام الأمان.

ووفقًا لبيانات أممية شكّلت المراهقات في كانون الأول/ديسمبر 2025، ما يقارب 10% من حالات الحمل المسجلة حديثًا في غزة، فيما تبلغ نسبة المرافق الصحية القادرة على تقديم خدمات التوليد الطارئة ورعاية حديثي الولادة في غزة 15% فقط مع تدني القدرة التشغيلية للمرافق الصحية وندرة الإمدادات الأساسية، مما يزيد بشكل كبير من مخاطر المضاعفات الصحية للأمهات الشابات وأطفالهن.

 

ولا تنفصل تجربة هبة عن سياق أوسع تعيشه فتيات كثيرات دخلن الزواج مبكرًا، حيث لا يكون العنف حادثًا طارئًا، بل جزءًا من يوميات تتشكل تحت ضغط الفقر والنزوح وفقدان الأمان. في مساحة ضيقة من الخيمة أو البيت المؤقت، تتكثف الأدوار على فتاة لم تُمنح وقتًا كافيًا لتكون طفلة، لتجد نفسها مطالبة بالتكيّف مع علاقة زوجية، ومسؤوليات منزلية، وتوقعات اجتماعية قاسية.

في ظروفٍ مشابهة، تقول شهد أحمد (17 عامًا) التي تزوجت قبل عام بشابٍ من عمرها: "عندما تزوجت شعرت أنّ أهلي قذفوا بي للبحر، وما زلت أشعر أنني وحدي دائمًا، ولا أجد مَن أتحدث إليه أو أستند عليه. أخاف من الخطأ أو من أن يحدث لي شيء، ويلازمني القلق طوال الوقت، كأنّه لا يهدأ".

هذا ما يفسره مختصون في الصحة النفسية وحماية الطفل، ومن بينهم عبد الرحمن لطفي الذي يعمل مع الأطفال، بأنّ الزواج المبكر يرفع احتمالات التعرض للصدمات النفسية، ويزيد من معدلات القلق والاكتئاب، خاصة حين يقترن بالعنف أو الضغط للإنجاب، أو بعدم القدرة على الانفصال بسبب القيود الاجتماعية والاقتصادية. كما قد تتطور بعض الحالات إلى أفكار انتحارية أو إيذاء الذات، إلى جانب مخاطر صحية طويلة الأمد، لا سيما مع الحمل المبكر.

وتعكس البيانات حجم هذه الدائرة المغلقة؛ إذ تشير بعض الأدلة إلى أن نحو 63% من الفتيات اللواتي تزوجن مبكرًا تعرضن لشكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي. كما تم توثيق أكثر من 100 حالة انتحار أو محاولة انتحار بين ناجيات من العنف، في مؤشر خطير على عمق الأثر النفسي.

في الوقت ذاته، تسجل حالات الطلاق بين المتزوجات مبكرًا نسبًا مرتفعة، ما يضيف طبقة جديدة من الهشاشة النفسية والاجتماعية، ويترك الفتاة عالقة بين تجربة زواج قاسية ومستقبل غير واضح المعالم.

 

على فراشٍ أرضي في غرفة صغيرة داخل بيت مكتظ بالنازحين، تحمل ربا التي لم تتجاوز الثامنة عشرة رضيعتها، محاولة تهدئتها بينما تكافح الأم نفسها صدمات طفولتها المستمرة. وتظهر تجربتها كيف تتحول الصدمات المبكرة إلى عبءٍ دائم، يمتد من جيلٍ إلى آخر.

المختصة النفسية فلسطين ياسين تشير إلى أن الفتيات اللاتي يعانين من صدمات نفسية حادّة يكنّ أقلّ قدرة على توفير رعاية مستقرة، ما يزيد احتمال انتقال القلق والاضطرابات النفسية إلى أطفالهن.

وبالتالي تمر الدورة بهذه السلسلة: طفلة تتعرض للصدمة → زواج مبكر → ضغوط نفسية وعنف → أم غير مستقرة نفسيًا → طفل جديد يكبر في بيئة مضطربة.

وزيرة التنمية الاجتماعية د. سماح حمد، تقول إن الوزارة تعمل "على توسيع خدمات الحماية والدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الأكثر هشاشة بالتنسيق مع شركائنا المحليين والدوليين، لكن هذه الجهود غير كافية أمام حجم الاحتياجات المتسعة". وتضيف أنّ التدخلات تشمل برامج حماية ورعاية، وخدمات إرشاد نفسي، ورصد حالات العنف والإهمال، إلا أن أعداد الأطفال المتأثرين بالصدمات والصراع تفوق الإمكانات المتاحة.

رغم الجهود المبذولة، تظلّ أغلبية الأطفال والفتيات في غزة محرومين من الدعم النفسي والاجتماعي الكافي. تقول المتحدثة باسم اليونيسيف في غزة، تيس إنجرام، إن التدخلات الحالية تغطي جزءًا محدودًا من الاحتياجات، وأن الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات الحقيقية لا تزال هائلة.

تشير البيانات إلى أن صندوق الأمم المتحدة للسكان قدَّم خدمات دعم منها توفير نحو 35 مساحة آمنة للنساء والفتيات، وتوزيع أكثر من 120 ألف حقيبة مستلزمات، وتشغيل أكثر من 15 مركزًا شبابيًا، منها 11 مخصصًا للفتيات. ومع ذلك، لا يزال أكثر من مليون طفل بحاجة إلى دعم نفسي واجتماعي؛ ما يُبرِز فجوة كبيرة بين الحاجة والإمكانات المتاحة.

 

في غزة، لا ينتهي أثر الحرب عند القصف أو النزوح. هنا، تتخذ القرارات تحت ضغط الظروف اليومية، فتتغير حياة الفتيات بشكل جذري. البيانات لا تقدم زواج القاصرات كسبب وحيد، لكنها تظهره بوضوح كعامل يُضاعف الضغط النفسي، وينقل الصدمة من المجال العام إلى الخاص، ويساهم في إعادة إنتاج الأزمة عبر الأجيال. ما تبدأه الحرب في الشوارع والبيوت يستمر في الداخل، لتصبح الأزمة النفسية واحدة من أخطر تداعياتها على المدى الطويل.