بعد أسابيع قليلة من تنفس الصعداء، حين بدا أن شبح المجاعة يتراجع عن قطاع غزة مع دخول هدنة هشة حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي، وفتح المعابر بشكل نسبي أمام دخول الدقيق والخضروات واللحوم، يعود الخطر ليطرق الأبواب من جديد. ولكن هذه المرة، ليس كتهديد محتمل، بل كواقع يلتهم أجساد الأطفال والمرضى، وسط نظام صحي يئن تحت وطأة الضغط الحاد.

في أحد المنازل المتهالكة، تعيش مروة إبراهيم نجم، البالغة من العمر 14 عاماً، قصة صامتة لمعاناة إنسانية متشابكة، حيث تعاني مروة من إعاقة ذهنية وسوء تغذية حاد، وحالتها تتدهور يوماً بعد يوم، فبعد أن بلغت سن البلوغ، لم يعد جسدها الهش قادراً على تحمل نقص الغذاء.

 تقول شقيقتها الكبرى صفاء نجم: "فقدت مروة القدرة على المشي تماماً، أصبحت تعتمد عليّ في كل شيء، حتى في تحريك رأسها". الأسرة، التي تستنزف مواردها المحدودة، لم تعد قادرة على توفير الغذاء الغني بالمغذيات، ناهيك عن الرعاية الصحية المتخصصة.

مروة، التي تراجعت حالتها الصحية بشكل متسارع، تخشى عائلتها أن تواجه المصير نفسه الذي أودى بحياة شقيقها محمود نجم، الذي توفي عن عمر 28 عاماً بعد معاناة مماثلة مع سوء التغذية.

مروة ليست الفتاة الوحيدة التي تعاني مع سوء التغذية، فوفقاً لبيانات حديثة صادرة عن منظمات أممية، حذرت من أن أكثر من 1.9 مليون شخص في غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يواجه 345 ألف شخص مستويات كارثية من الجوع (المرحلة الخامسة وفق التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي)، ومع ذلك لم تنبري الجهات الدولية لوقف الكارثة قبل اتساع رقعتها.

طفلة من قطاع غزة تعاني من سوء التغذية - أخبار الأمم المتحدة

في مجمع ناصر الطبي، أكبر مستشفيات المنطقة الجنوبية، يقر الدكتور أحمد الفرا، مدير قسم الأطفال، بأن سوء التغذية لا يزال يمثل تهديداً وجودياً للأطفال، وقال "عيادة سوء التغذية لدينا، رغم قدرتها الاستيعابية المحدودة التي لا تتجاوز 30 طفلاً يومياً، استقبلت 75 طفلاً في يوم عمل واحد فقط، هذا يوضح حجم الضغط الهائل وغير المسبوق على المنظومة الصحية".

ويكشف الفرا عن تفاصيل مقلقة: "نحو نصف الحالات التي نراها حالياً تعاني من سوء تغذية متوسط، لكن الأمر الأكثر خطورة هو أن النسبة التي كانت تشير في فترات سابقة إلى حالات شديدة جداً بدأت بالارتفاع مجدداً. لقد لاحظنا ارتفاعاً حاداً في معدلات فقر الدم، إذ تصل النسبة إلى أكثر من 85% بين الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل في بعض المناطق، بسبب نقص البروتينات وعدم استقرار توفير حليب الأطفال الصناعي".

لا تتوقف المشكلة عند الجوع فقط. فمع انهيار البنية التحتية وتدمير شبكات الصرف الصحي، تسربت المياه العادمة إلى الشوارع، مما خلق بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات. 

يضيف الفرا: "نشهد تفشياً واسعاً لأمراض كانت تحت السيطرة. التهابات الجهاز الهضمي الحادة، والأمراض الجلدية، واليرقان، وحالات الإسهال المائي التي تؤدي إلى جفاف سريع ومضاعفات خطيرة، وخصوصاً لدى الأطفال الذين يعانون أصلاً من سوء التغذية".

وتظهر الإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 60% من مرافق الرعاية الصحية الأولية في غزة لم تعد تعمل، وأن المستشفيات الباقية تعمل بطاقة تتجاوز قدراتها بأكثر من 300%. هذا الانهيار جعل علاج حالات معقدة مثل حالة مروة أشبه بالمستحيل. 

تقول صفاء نجم بشيء من الحسرة: "كنت أعتقد أن وقف إطلاق النار سينقذنا، لكن القيود المفروضة على دخول المواد الأساسية عادت أكثر صرامة، لا نجد غذاء طبياً مناسباً لمروة". 

وتختتم الأخت الصامدة قصتها بسؤال يلخص أزمة بأكملها: "محمود مات لأنه لم يجد من ينقذه، مروة الآن تفقد القدرة على البلع، من سينقذها قبل فوات الأوان؟".

ومما هو واضح، فإنه بدون تدخل فوري لضمان تدفق المساعدات الغذائية والطبية بشكل كامل ومستدام وتحسين خدمات الرعاية الصحية، فإن سوء التغذية الحاد سيتحول إلى مجاعة جماعية.