تجلس سجى عماد (29 عامًا)، مهندسة حاسوب عاملة، أمام شاشة حاسوبها في غرفة منزل والدها غرب مدينة غزة، الذي انتقلت إليه حديثًا مع والدتها بعد نزوح عائلتها عشرات المرات إثر تدمير بيوتهم في الحرب. معروفة بين صديقاتها بقوة شخصيتها وكفاءتها المهنية، ولها شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية.
قبل الحرب، كانت تجد صعوبة في قبول أي خطوبة، واليوم تقول بهدوء: "القرار أصبح أصعب بكثير. معظم الشبان بلا عمل، البيوت مدمرة، الإيجارات باهظة، وأنا أعيش هنا بين أهلي بينما كثيرون من حولي نازحون".
البيت الذي انتقلت إليه كان عقارًا استثماريًا غير مكتمل قبل الحرب، وكل ما يذكرها بالماضي، الشرفة، الكتب، الباحة الصغيرة، أصوات الأقارب والجيران، أصبح مجرد غبار وذكريات، فيما فرضت عليها الحرب حاضرًا منقوصًا، حيث كل شيء مؤقت وغير مضمون.
خارج الباب، تنتظرها مدينة مليئة بالركام والخيام، والقرار الذي تفكر فيه، الزواج وبناء أسرة، يبدو ثقيلاً. كيف تبني مستقبلاً فوق أرض يمكن أن تنهار مرة أخرى؟ وكيف ستتشارك مع شخص آخر في حياة غير مستقرة؟
تبتسم بسخرية وهي تفكر: مهندسة الحاسوب التي تبني نظمًا في العالم الرقمي تجد نفسها عاجزة عن ترتيب أبسط جوانب حياتها الواقعية. تقول لنفسها: "ربما هذا هو الدرس الأكبر، أن كل شيء، حتى هذا الجدار، مؤقت حتى إشعار آخر".

في قطاع غزة، حيث أصبح أكثر من 1.9 مليون شخص نازحين داخليًا، وانكمش 80% من الاقتصاد، لم يعد الزواج مجرد منعطف شخصي أو حدث اجتماعي، بل تحوّل إلى مؤشر ديموغرافي حاد على اختلال الإيقاع الاجتماعي واستراتيجية تكيّف جماعية تعكس عمق الكارثة الإنسانية بعد تحولات جسيمة فرضتها الحرب.
أمام هذا الواقع، تحوّل الزواج إلى قرار يحمل وزنًا نفسيًا كبيرًا: إما الانخراط في علاقة كوسيلة للبحث عن استقرار وسط الفوضى، أو العزوف عنه خوفًا من تحمل مسؤوليات لا تُحتمل في بيئة النزاعات وانعدام الأمان.
الأرقام وشهادات الحالات في غزة توضح أن قرار الزواج بات ينقسم إلى مسارين تحت ضغط الطوارئ؛ فهناك من يفضل التأجيل ويتردد في القدرة على اتخاذ القرار تحت وقع التغيرات الجذرية التي فرضتها الحرب، فيما يختار آخرون، أو يرضخون، للزواج ضمن الظروف الراهنة، بدوافع تخفيف العبء الاقتصادي عن الأسر، والبحث عن حماية وهمية، أو الهروب من جحيم النزوح المتكرر عبر أي مخرج متاح.
آلاء محمد، التي تزوجت في السابعة عشرة، بعد نزوح عائلتها من مخيم البريج وسط قطاع غزة، تقف أمام مرآة متشققة في خيمة ضيقة بالكاد تتسع لثمانية أشخاص، وتتساءل بصوتٍ خافت: "هل هذه طفولتي أم حياة لم أخترها بعد؟" مكياج فاقع وضعته شقيقتها يخفي ملامح طفولتها بينما تعود ذاكرتها إلى ساعات قليلة مضت حين عُقِد قرانها على شابٍ يكبرها بثلاثة أعوام، سينقلها بعده من الخيمة إلى بيت مستقل لكنّها فقدت حلمها في إكمال الدراسة.

المختص الاجتماعي عرفات حلس يفيد أنّ أصبح الزواج بالنسبة للأسر، وسيلة لتقليل العبء وتأمين حماية وهمية. أما للفتيات، فقد يكون نفقًا مظلمًا يؤدي إلى الطلاق السريع، أو للأمومة المبكرة في نظام صحي منهار، أو فقدان الطفولة والتعليم.
وبالنسبة للمجتمع، يقول حلس: "هو دليل على تفكك النسيج الاجتماعي، حيث تتحول الخيام إلى بؤر تجاور إجباري تتحكم فيها شريعة الغاب". القرار لم يعد حول الحب أو التوافق، بل حول حساب مخاطر البقاء: العيش وحيدة في مخيم بلا حماية، أم الدخول في ارتباط يزيد من ضعفها في مجتمع ينهار تحت وطأة الجوع والرصاص.
ملك عامر تزوجت في السادسة عشرة، ووجدت نفسها في اليوم الثالث من زواجها مطلقة، تقول مع شعور بالصدمة والمرارة: "ما ذنبي أن أتزوّج في ثلاثة أيام وأُطلَّق في نفس الشهر؟!"، لتوضح كيف أن الزواج المبكر لا يسرق الطفولة والتعليم فقط، بل يضع فتيات في مواجهة وصمة الطلاق والصعوبات النفسية والاجتماعية المباشرة.
تعكس البيانات الرسمية اتساع الظاهرة بشكل كبير، فقد سجّلت محاكم دير البلح والشمال وغزة أكثر من 2600 حالة زواج لفتيات دون سن 18 عامًا في 2024، بينها نحو 400 حالة بين 14 و16 عامًا.
ووفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان، ثلاثة من كل عشر نساء في غزة تزوجن قبل سن 18 عامًا؛ ما يعكس جذور هذه الظاهرة الاجتماعية حتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة التي تشير الوقائع إلى أنّها فاقمت من هذه الظاهرة بشكلٍ مريع يتنامى مع انهيار الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
ويشير حلس، إلى أنّ الدوافع وراء هذه الزيجات واضحة: الفقر المدقع، فقدان المأوى، التهديد بالعنف والتحرش، والضغط الاجتماعي لعلاج الوضع الطارئ بسرعة.

بالإضافة إلى ذلك فإنّ القانون الفلسطيني ينص على تحديد سن الزواج بـ18 عامًا، مع إمكانية منح المحكمة المختصة استثناءات في حالات خاصة، وهو ما أبقى الباب مفتوحًا أمام زواج من هم دون هذا السن بقرار قضائي. تقول المحامية آية الوكيل: "هذه ثغرة قانونية فقانون الطفل الفلسطيني لعام 2004 يحدد سن الرشد بـ 18عامًا؛ ما يخلق ثغرة كبيرة استُغلت خلال فترات النزوح والحرب، وأدى إلى إتمام عقود زواج عبر المخاتير دون توثيق رسمي دقيق".
تردف الوكيل: "على عكس القوانين الدولية التي تحظر الزواج دون سنّ 18، يسمح القانون الفلسطيني بزواج من هم دون هذه السنّ". على الرغم من أن قانون العائلة الفلسطيني لسنة 1954 يشترط أن يكون عمر الخاطب 18 عامًا والمخطوبة 17 عامًا، فإنّ المواد (6,7) تتيح للقاضي السماح بالزواج لمن هم أصغر إذا ادّعوا البلوغ.
كما سمح القرار الإداري رقم (87) لسنة 1995 بتزويج الذكور من عمر 15 سنة و7 أشهر، والإناث من 14 سنة و7 أشهر في قطاع غزة، في حين تحظر المادة (8) من قانون حقوق العائلة تزويج من هم دون 12 عامًا.
غير أنّ، المحامية الوكيل تشير إلى أنّ قانون العقوبات لا يوفّر حماية مباشرة من الزواج المبكر، إلا في الحالات التي يتم فيها الزواج دون موافقة الولي.

مقابل حالات الزواج المبكر، تزايدت حالات زواج عازبات في الثلاثينيات من جرحى أو ممن فقدوا عائلاتهم أو مصادر دخلهم. الطقوس التقليدية اختفت، فلا فرح، ولا ذهب، ولا فستان أبيض، ويُعقد القران على عجل بعد أن يراها الخطيب، لتصبح الزغاريد مكتومة وسط الركام والأولوية القدرة على الإعالة كمعيارٍ أساسي.
دعاء زهير (37 عامًا)، تقدم لها الكثير من الرجال قبل الحرب وتأخر بها العمر، وفقًا لمعايير المجتمع في تحديد سنّ الزواج مرهونًا بسنّ الإنجاب في بعض الأحيان أو بمعتقدات اجتماعية أخرى.
تزوجت زهير خلال الحرب برجل أرمل يكبرها بعشرين عامًا، فقَدَ زوجته وعددًا من أبنائه وبيته في القصف، واستقرت معه وحاليًا حامل. تقول دعاء إنها ترددت كثيرًا قبل الموافقة لكنها سعيدة اليوم.
لكن ليست كل الحالات مستقرة؛ ففي إحدى الوقائع الأخرى، تزوجت الثلاثينية بسمة هاني بأرمل أربعيني لديه عدد من الأبناء، لكنها ترملت بعد أسبوعين فقط من الزواج، ما يوضح هشاشة هذه الروابط تحت وقع القصف المستمر وزيادة المخاطر النفسية والاجتماعية على النساء في هذا السياق.
جنى رائد (26 عامًا) من غزة خُطبت لشاب في أوائل الثلاثينات يقيم في مواصي خانيونس ويتكسب من خلال بيع وشراء الهواتف، ووعدها بخيمة مستقلة. لكن منذ البداية ظهرت خلافات مادية مع عائلته، إذ أخبرتها والدته مازحة أنها ستأخذ حصة الغاز المخصصة لهما.
وبعد الزواج اكتشفت أن المساعدات الغذائية تُسلَّم لعائلة الزوج مقابل سكنهما في خيمة "شكلية" ينامان فيها فقط، بينما تستخدمها العائلة نهارًا. تقول: "لم نستفد من أي مخصصات، كلها تذهب للعائلة". تصاعدت الخلافات، فتركت جنى خيمة زوجها وعادت إلى خيمة أهلها في غزة منذ شهور دون حل.

الآثار النفسية والصحية واضحة، وفق المختصة النفسية ولاء حجازي، فالفتيات المتزوجات مبكرًا أو تحت ظروف قاهرة أكثر عرضة للاكتئاب، القلق المزمن، اضطرابات النوم، الشعور بالخوف الدائم، العزلة، وتدني تقدير الذات. هذه التجارب تخلق جيلًا غير مؤهل لتربية أطفال يتمتعون بصحة نفسية سليمة، وتزيد معدلات العنف الأسري وغياب الوعي الكافي لزواج ناجح.
في ظلّ هذه الظروف، أوصى مختصون بتدخلات شاملة لحماية الفتيات: متابعة قضائية صارمة، توثيق جميع حالات الزواج المبكر، تطبيق العقوبات، وبرامج دعم نفسي وتعليمي للفتيات. بالإضافة للمطالبة بتعزيز الأمان الاقتصادي والاجتماعي، من دعم الأسر وتوفير السكن المستدام إلى الحد من ضغوط الزواج المبكر كخيار بقاء. التغيير الثقافي والقانوني ضروري، بما في ذلك تعديل القوانين لتوحيد الحد الأدنى للعمر وتطبيق الحماية الحقيقية للأطفال.
تحوّل الزواج من رمزٍ للفرح إلى مقياسٍ لعمق الهوة التي سقط فيها المجتمع في غزة، حيث بات توقيت القرار الأكثر حميمية محكومًا بإيقاع القصف وندرة الطعام، بدل أن تحدّده مشاعر الحب أو الجاهزية النفسية والاجتماعية.