تتلاشى الحدود بين المنزل والقبر في حي الشيخ رضوان شمال غزة. هنا، وسط أكوام الردم والحديد الملتوي، تجلس ليان أبو قوسة (16 عامًا)، جسدها شاخص، وعيناها تحدقان في نقطة لا يراها غيرها. هي لا تصرخ، لا تبكي، فقط تنسج أصابعها بحركات دائرية لا تتوقف. ليان، المصابة بالتوحد، تعيش في "منزلها" الذي لم يعد سوى هيكل متصدع، مكشوف للرياح وأصوات الطائرات بدون طيار التي تئن في السماء.

والدها، حماد قوسة، يقول بصوتٍ متعب: “كلما تقدمت ليان في العمر، ازدادت صعوبة التعامل معها. قبل الحرب، كان الأمر صعبًا بسبب الفقر وغياب الإمكانيات. أما الآن، فالأمر مستحيل. المنزل نفسه تحول إلى مكان خطر: حديد مكشوف، زجاج مكسور، خطر في كل زاوية”.

طفل آخر هو زين (7 أعوام)، فقدَ القدرة على الكلام بعد أن بدأ يقول جملًا كاملة منذ عدة شهور، ولم تتحسن حالته بعد، بل انضمت إليه مئات الحالات الجديدة. 

ورغم عدم وجود إحصاءات، تقدر الجهات المحلية أن عدد الحالات يتجاوز المئات، يواجه فيها أطفال التوحد "محو منهجي" لسنوات من التقدم العلاجي. في التقرير الأول، وصفت الأخصائية النفسية عواطف محيسن الأمر بـ "الفشل المزدوج": فشل في توفير الحماية أثناء الحرب، وفشل في التخطيط لطوارئ كانت متوقعة.

أمام هذا الواقع، تحول الآباء إلى أخصائيين بحكم الضرورة، وكارثة ذلك التحول. تقول ريم جعرور، رئيسة برامج التوحد في جمعية الدلفين: “أثناء الحرب، وجد الآباء أنفسهم مجبرين على تقمص أدوار الداعم، ومقدم الرعاية، بل وحتى الأخصائي. لكنهم لم يكونوا مؤهلين. النتيجة؟ فقد الأطفال قدرًا هائلًا من الدعم النفسي والعاطفي”.

هذا يفسر ما رأته أم زين قبل عام: "ابني كان ينام في سريره، في غرفته المزينة بصوره المفضلة. الآن ننام على الأرض مع عشرات النازحين." لم تكن مجرد شكوى، بل كانت نبوءة. التقرير الحديث يؤكد أن غياب الروتين ليس مجرد إزعاج، بل هو عامل أساسي في الانهيار العصبي الحاد.

إسلام شمالي، أم يحيى (الذي سافرت به إلى مصر للعلاج وعاد ليتراجع خلال أسبوع واحد فقط)، تشرح الآلية: “الأطفال المصابون بالتوحد يميلون بطبعهم إلى الروتين. التنقل المستمر من خيمة إلى أخرى، من مدرسة مدمرة إلى عمارة متهالكة، يجعلهم يهربون باستمرار. يهربون من أصوات لا يتحملونها، من أماكن لا يفهمونها”.

عند مقارنة ما كان يُكتب بـ "خطط الطوارئ" وما حدث على الأرض تتجلى فجوة عميقة. في تقريرٍ سابق لـ: آخر قصة- LastStory (2025)، كان غسان فلفل، مدير دائرة تأهيل ذوي الإعاقة بوزارة التنمية الاجتماعية، قال: "خطط الطوارئ التي كانت موجودة على الورق لم تُنفذ، لا تمويل، لا كوادر، لا إمكانيات." أما اليوم، وبعد عام، فإن اعتراف المسؤولين غائب، لكن الأدلة على الأرض تتحدث: مراكز مثل "بيتنا" و"الحق بالحياة" إما دمرت أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين.

قانونيًا، يشير المحامي منذر الفراني إلى انتهاك صريح للمادة 11 من اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي صادقت عليها فلسطين عام 2014. خاصة في ظلّ غياب أي ذكر لخطة دولية للاستجابة. فبينما يوجه أمين عام الأمم المتحدة رسالة بمناسبة اليوم العالمي للتوحد (2 نيسان 2026) يدعو فيها إلى "عالم يحتضن الجميع"، فإن الأخصائية مها عزام تصف الواقع على الأرض بصراحة: "لا توجد أي برامج إغاثة مخصصة لأطفال التوحد. كل المساعدات تركز على الغذاء والدواء."

أحمد أبو ندى، مدير برامج في جمعية بيتنا، كان قد حذر في 2025 من أن الجلسات عن بُعد مستحيلة لانقطاع الاتصال كل دقائق. وبعد عام، لا يزال الواقع كما هو، لكن مع إضافة طبقة من اليأس: فمعظم الأطفال الذين كانوا يتلقون جلسات تخاطب، عادوا إلى مرحلة ما قبل الكلام.

حماد قوسة، والد ليان، يلخص كل شيء بعبارة موجعة: "لا أطلب من العالم أن يعالج ابنتي. أطلب منهم فقط أن يوقفوا الحرب. لأن الحرب هي التي تجعل التوحد عند ليان ليس مجرد اضطراب، بل حكمًا بالإعدام البطيء."

وبينما يقرأ العالم بيانات التضامن في اليوم العالمي للتوحد، تبقى الأمهات في غزة يخترعن طرقًا جديدة لتهدئة أطفالهن، بدون أدوية، بدون أخصائيين، وبدون أمل يذكر في أن الغد سيكون أقل قسوة.