في غرفة العناية المكثفة بمستشفى ناصر جنوب قطاع غزة، لا تعتمد حياة أماني مطر على الأجهزة الطبية فقط، بل على موردٍ آخذ في النفاد وهو زيوت المولدات الكهربائية. ومع تراجع الإمدادات إلى مستويات حرجة، يواجه القطاع الصحي خطر التوقف خلال أسابيع، في أزمة تمتد آثارها إلى المياه والمواصلات وسائر المرافق الحيوية.

في هذا السياق، تحوّلت فرحة الزوج أحمد مطر بولادة طفله الأول إلى خوف وقلق على حياة زوجته وطفله وسط انتظارٍ ثقيل أمام غرفة العناية المكثفة في مستشفى ناصر الطبي جنوب قطاع غزة. زوجته، التي أصيبت بجلطة مفاجئة بعد الولادة، ترقد موصولة بأجهزة تُبقيها على قيد الحياة، فيما يقف هو على حافة قلقٍ لا ينتهي.

أوراق تحويلتها الطبية للعلاج خارج القطاع جاهزة، لكن الوقت يمضي ببطء قاسٍ، ووضعها يزداد صعوبة داخل غرفة لا يعمل فيها شيء دون كهرباء. يقول مطر بصوتٍ خافت مُثقل بالإرهاق: "أجلس أمام غرفة العناية المركزة، أراقب الشاشة المجاورة لزوجتي. عندما يتحرك شيء أو يحدث خلل، لا أعلم إن كان الجهاز قد تعطّل أو المولد توقف. هي نائمة لا تسمع شيئًا، لكنني أسمع كل شيء. أصبح كل شيء صعبًا، والانتظار مُتعب".

يتوقف قليلًا، ثم يضيف وهو يحدّق في الأجهزة المحيطة بها: "كل هذه الأجهزة تعمل على المولد، وفي أي لحظة قد يتوقف. لا أعلم ماذا سيحدث. لست خائفًا من المرض بقدر خوفي من فقدان زوجتي".

بلغة الأرقام، يحتاج القطاع الصحي في غزة إلى نحو 2500 لتر شهريًا من زيوت المولدات لضمان استمراره؛ غير أن هذا الرقم، داخل غرف العناية المكثفة، يتحول إلى مهلة زمنية محدودة قدّرها المختصون بأسبوعين أو ثلاثة قبل توقف محتمل للأجهزة. وتتمثل أزمة الزيوت في النقص الحاد في زيوت المحركات اللازمة لتشغيل وصيانة المولدات والمركبات، نتيجة القيود المفروضة على إدخالها منذ بدء الحرب، ما أدى إلى تراجع توفرها وارتفاع أسعارها وتعطّل أعمال الصيانة، بما يهدد بتوقف المولدات تدريجيًا حتى عند توفر الوقود.

وبينما يتكشّف خطر توقف الأجهزة داخل المستشفيات، تمتدّ تداعيات الأزمة إلى ما هو أبعد من الجدران الطبية، لتطال أحد أكثر القطاعات التصاقًا بحياة الناس اليومية: المياه.

عند أطراف إحدى محطات ضخ المياه في غزة، يقف بهجت الترتوري (45 عامًا)، وهو فني تشغيل وصيانة في محطة مياه، أمام مولدٍ يُفترض أن يعمل بلا توقف. غير أن تشغيله لم يعد مسألة تقنية، بل صراع يومي في ظل نقص الوقود والزيوت.

يقول وهو يتفقد صوت المحرك بين الحين والآخر: "لا نعمل بكامل قدرتنا منذ الحرب بسبب تقليص الموارد. نشغّل المحطة بالحد الأدنى فقط لإبقاء المياه تصل إلى الناس، لكن الوضع يزداد صعوبة".

المولد الذي تعتمد عليه المضخات يحتاج إلى صيانة دورية وزيت بشكل مستمر، لكن ذلك لم يعد متاحًا كما في السابق. ومع كل يوم تأخير، يقترب المحرك من التوقف. يضيف الترتوري: "أكبر مخاوفنا ليس انقطاع الكهرباء، بل تعطل المحرك نفسه. إذا حدث ذلك، لن نستطيع ضخ المياه إطلاقًا".

 

وإذا كانت أزمة الزيوت تهدد بتوقف ضخ المياه، فإن آثارها تمتدّ إلى الشوارع أيضًا، حيث تعتمد آلاف الأسر على مركبات باتت هي الأخرى على حافة التعطّل.

في مفترق السرايا وسط مدينة غزة، حيث لا تهدأ حركة المركبات، يقف السائق محمد أبو سالم (42 عامًا) إلى جانب سيارته، يتفقد محركها بقلق، كمن يحاول تأجيل عطلٍ بات وشيكًا. يقول إن السيارة لم تعد تحتمل التأجيل. منذ شهرين لم يغيّر الزيت، لأنه غير متوفر، وإن وُجد فسعره مرتفع جدًا. يشير إلى المحرك ويضيف: "أسمع أصواتًا غريبة كل يوم، وأخشى أن تتوقف فجأة في منتصف الطريق".

ثم يختصر المخاوف كلها بجملة واحدة: "هذه السيارة مصدر رزقي الوحيد. إذا تعطلت، أتوقف معها؛ لا عمل ولا دخل".

ويُقدَّر عدد سائقي الأجرة في قطاع غزة، استنادًا إلى أعداد المركبات العاملة قبل الحرب، بما يتراوح بين 10 و18 ألف سائق، يعتمدون بشكل مباشر على مركباتهم كمصدر دخل رئيسي، في قطاع بات اليوم مهددًا بالتوقف مع تفاقم أزمة شح زيوت المحركات الضرورية لتشغيل وصيانة المولدات والمركبات.

بين المستشفيات ومحطات المياه والطرق، تبدو الحياة في غزة معلّقة على استمرار عمل المولدات الكهربائية، التي تعمل اليوم في ظروف بالغة التعقيد.

في هذا السياق، تدق الكوادر الطبية ناقوس الخطر من انهيار المنظومة التشغيلية. ويوضح وكيل وزارة الصحة المساعد المهندس بسام الحمادين، أنّ القطاع الصحي يحتاج بشكل عاجل إلى نحو 2500 لتر شهريًا من زيوت المولدات الكهربائية لضمان استمرار تشغيلها في المستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الأولية والمرافق الصحية الأهلية.

ويحذّر الحمادين من أن استمرار النقص الحالي قد يفتح الباب أمام كارثة صحية خلال فترة وجيزة، مؤكدًا أن القطاع قد يواجه انهيارًا في المنظومة التشغيلية خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع كحد أقصى إذا لم يتم توفير الزيوت بشكل عاجل.

وبالاستناد إلى عدد أسرة العناية المركزة في قطاع غزة، التي كانت تُقدّر قبل الحرب بنحو 280 إلى 300 سرير، ومع معدلات إشغال تتجاوز 200% في ظل الضغط الحالي، يُقدّر عدد المرضى الذين يحتاجون هذا النوع من الرعاية بآلاف الحالات شهريًا، في وقتٍ تعمل فيه الأقسام فوق طاقتها الاستيعابية.

الأخطر من ذلك أنّ هذا النقص في تشغيل الأجهزة الطبية يضع حياة مئات المرضى في الأقسام الحرجة على المحك، في ظلّ اعتماد شبه كامل على المولدات نتيجة استمرار انقطاع التيار الكهربائي.

فعليًا، بدأت مستشفيات قطاع غزة بتقليص تشغيل المولدات وترشيد الاستهلاك، والإبقاء على الأقسام الحيوية فقط، خشية التوقف الكامل. ويشمل ذلك مرافق رئيسية، بينها مجمع الشفاء الطبي الذي تعرّض للتدمير خلال الحرب.

بالتوازي، ومع استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على إدخال المستلزمات الصناعية، تتآكل البنية التشغيلية للمرافق تدريجيًا، دون قدرة حقيقية على الصيانة أو التعويض.

في الأسواق، تعكس الأسعار حجم الاختناق المتصاعد. فقد تحوّل زيت المحركات من مادة متوفرة إلى سلعة نادرة باهظة الثمن، بعدما قفز سعر اللتر من نحو 50 شيكلًا (16 دولارًا) قبل الحرب إلى قرابة 800 شيكل (245 دولارًا)؛ نتيجة لذلك دفع هذا الارتفاع اليوم مؤسسات كثيرة إلى تأجيل أعمال الصيانة أو إلغائها بالكامل، رغم إدراكها للمخاطر.

في غزة اليوم، لا تبدو هذه الأرقام مجرد بيانات عن نقص الموارد، بل مؤشرات على عدٍّ تنازلي لكارثة أوسع. ومع استمرار منع دخول الزيوت وقطع الغيار، قد تجد المرافق الحيوية نفسها خلال أسابيع قليلة أمام صمتٍ ثقيل، صمت الأجهزة، وتوقف المضخات، وتعطل كل ما يُبقي الحياة ممكنة.

وفي ظل القفزات الحادة في الأسعار وتآكل البنية التحتية، لا يتمثل التحدي في البقاء فقط، بل في الحفاظ على الحد الأدنى من العصب التقني الذي يؤخر لحظة الانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية.