أخذ الشاب الفلسطيني حمدي خالد (اسم مستعار)، وهو عامل نظافة في إحدى الشركات الخاصة التي تعمل في تنظيف المشافي، يجفف عرقه بعد انتهاء ساعات عمله اليومية (6 ساعات) مقابل أجر يومي قيمته خمسة وعشرون شيكلاً (6 دولارات) وسط موجة حر تضرب الأراضي الفلسطينية هذه الأيام.

عاد خالد وهو في أواخر عقده الثاني إلى البيت مشياً على الأقدام لتوفير تكلفة التاكسي، وذلك من أجل المساعدة في إعالة أسرته. وقال إنه يعمل بلا توقف خلال ساعات عمله اليومية، لاسيما أنه يعمل أمام أعين مراقبي الشركة ولا يسمح له بأخذ قسط يسير من الراحة.
يتقاضى الشاب أجرًا شهريًا قيمته سبعمائة وخمسون شيكلاً (206 دولارًا)، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور الذي ينص عليه قرار مجلس الوزراء الفلسطيني والبالغ 1880 شيكلاً (520 دولارًا).

وبذلك يتقاطع حال الشاب خالد مع 116 ألف عامل آخر يعملون في القطاع الخاص ويتقاضون أجورًا متدنية جدًا، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وجرى تخصيص خدمة النظافة داخل المشافي والمراكز الصحية الحكومية في قطاع غزة، في العام 2005، عبر توجه قادته وزارتي الصحة والمالية، حيث تتقدم تلك الشركات المشغلة للعمال إلى العطاءات (العطاء التجاري هو نوع قائم على عملية المزايدة للوصول إلى أفضل سعر أو عرض يقبل به البائع) التي تطرحها وزارة المالية، ومن ثم يجري الترسية على من يقع عليه الاختيار.
وعملياً يجري الاختيار وفقاً لشروط تضعها وزارة المالية، وواحدة من أهم هذه الشروط، هو القيمة المالية التي تتقدم بها الشركة المشغلة، بمعنى أن "المالية" قد تختار الشركة التي تتقدم بأقل سعر، وبعد عملية الترسية تنحصر العلاقة فيما بعد بين العامل والشركة المشغلة، أي لا تتحمل الجهات الحكومية أي مسؤولية تجاهه.
معاينة ميدانية
ووفقاً للملاحظة الميدانية لمعد التقرير فإن المستشفى ينحصر دورها الرقابي على جودة النظافة، فيما أن وزارة العمل يناط بها التفتيش على مدى قانونية أوضاع العمال ومدى توفر عوامل السلامة المهنية وتقاضي الحد الأدنى للأجور وغيرها، رغم أن هذا الدور ضعيف إلى حد كبير، ولم يقدم أي نتائج إيجابية بحق العمال على أرض الواقع.
تعمل السيدة أمل (اسم مستعار) في خدمات التنظيف داخل مجمع الشفاء الطبي وسط مدينة غزة، دون كد أو ملل، تترك أبناءها السبعة برفقة زوجها في المنزل لتستطيع تأمين المصروفات اليومية وإعالة أسرتها. وتقول إنها تعمل بلا كلل خلال ساعات عملها اليومية، وتعتمد على نفسها في ظل انعدام أدوات السلامة المهنية. ومع ذلك، فإنها تحصل على راتب لا يوازي الجهد والإرهاق الذي تتحمله، إذ لا يتجاوز قيمة راتبها الشهري 750 شيكلاً (206 دولارا).
تطالب السيدة أمل، وهي في بداية عقدها الرابع، رب العمل بالسماح لها بالعمل لساعات إضافية بعد انتهاء دوامها اليومي، من أجل كسب راتب مضاعف. ومع ذلك، فإن طلبها لا يلقى استجابة، إذ يشترط أصحاب العمل أن يعمل الموظفون ست ساعات إضافية يوميًا بمقابل 1100 شيكل شهريًا (303 دولارات)، وهو أقل من الحد الأدنى للأجور أيضاً.
وأصبحت معاناة السيدة أمل، التي لم تكمل تعليمها الثانوي، مثار شفقة ذوي المرضى الذين يقدمون لها مساعدات نقدية من حينٍ لآخر.
ومن ناحية أخرى، تتلقى السيدة أمل مساعدات غذائية من وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) كل ثلاثة أشهر، وتقول إنها بالكاد تستطيع تغطية احتياجات أسرتها.
يعيش نحو 1000 عامل وعاملة في قطاع النظافة داخل المنشآت الصحية في قطاع غزة ظروفًا مشابهة، إذ يتم توظيفهم عن طريق شركات نظافة خاصة موزعة على كافة محافظات قطاع غزة، بما في ذلك 83 مركزًا صحيًا ومستشفى.
وتتجاوز المشكلة تدني الأجور فقط، فالعاملين والعاملات في قطاع النظافة في المشافي يواجهون صعوبة الحصول على حقوقهم كاملة، بسبب ما يسميه أصحاب الشركات تردي الأوضاع الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة بفعل الحصار المفروض للعام السابع عشر على التوالي. بالإضافة إلى ذلك، يتعرض العمال والعاملات لتأخير صرف الرواتب في بعض الأحيان.
تأخير صرف
تقول سهام (اسم مستعار)، وهي عاملة في خدمات التنظيف، إنها تشتري الكثير من احتياجات أسرتها على الدين حتى تتمكن من تلبية الاحتياجات حتى صرف الراتب. ونتيجة لتأخير صرف الرواتب لعدة أيام وأحيانًا لعدة أشهر، تجد صعوبة في التعامل مع أصحاب المتاجر والبقالة التي تستدين منها.
تشير سهام إلى أن زميلاتها يواجهن نفس المشكلة، ولا يستطعن الشكوى من معاناتهن لأي جهة سواء نقابية أو حكومية، خوفًا من فقدان فرص العمل.
تنص المادة (82) من قانون العمل الفلسطيني على أنه يجب دفع الأجر للعامل نقدًا قابلًا للتداول، ويجب أن يتم الدفع في أيام العمل وفي مكان العمل، وفي نهاية كل شهر للعاملين بأجر شهري، وفي نهاية كل أسبوع للعاملين على أساس الوحدة الإنتاجية، أو الساعة، أو الدوام اليومي، أو الدوام الأسبوعي. وتحظر المادة أيضًا تأخير دفع الأجر للعامل لأكثر من خمسة أيام من تاريخ الاستحقاق.
وفي هذا الصدد، يجهل العديد من العاملين في شركات النظافة الخاصة قوانين العمل التي تنظم عملهم، بما في ذلك أحمد (اسم مستعار)، الذي يعمل كعامل نظافة في مشفى في مدينة غزة وهو حاصل على شهادة جامعية في التمريض. يقول أحمد، البالغ من العمر 22 عامًا، "لم أكترث بقواعد العمل بقدر اهتمامي بعدم فقدان فرصة العمل في هذه المهنة الشاقة، وبمقابل أجر بسيط يمكنني توفير الرسوم الجامعية المستحقة عليّ".
وبخصوص مستقبله في هذه المهنة، يقول: "إذا لم أتمكن من الحصول على فرصة عمل رسمية في القطاع الحكومي، فلا يوجد لدي خيار آخر سوى الاستمرار في خدمات التنظيف".
وأظهرت دراسة نشرها الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة- أمان، موسومة بـ "الرقابة على تطبيق حقوق العاملين في شركات النظافة العاملة في المستشفيات الحكومية في قطاع غزة"، ويتكون مجتمع الدراسة من عمال شركات النظافة في المستشفيات الحكومية بقطاع غزة المقدّر بـ (220 استبانة)، أنَّ نسبة الحاصلين على مؤهل علمي (ثانوية عامة فما فوق) من العمال بلغت (50.4%) وهم موزعون ما بين (34.5%) ثانوية عامة، (9.5% دبلوم)، (6.4% بكالوريوس فأكثر).

وقد خاض العمال اعتصامات متعددة كان آخرها خلال العام 2018 وذلك من أجل المطالبة بدفع أجورهم بالانتظام، بعد تأخر دفعها لعدة أشهر. (صور)، لكن هذه الأصوات لم تلق آذان صاغية حتى كتابة هذا التقرير.
تلاعب
من جهته، أقر نقيب العمال في قطاع غزة سامي العمصي، بوجود تلاعب من قبل بعض الشركات في عدم منح العمال حقوقهم كاملة، قائلاً: "الشركات تتلاعب ونحن على علم بذلك، ومن أجل ضبط الأمر قمنا بإعداد خطة بما في ذلك تحسين مستوى الراتب وبالفعل ارتفعت قيمة الراتب من 400 شيكل -770 شيكل".
وأضاف العمصي: "قمنا بالضغط على الشركات من أجل ضمان إيداع الراتب وصرفه عبر البريد لضمان صرف القيمة كاملة دون أي استقطاع من قبل الشركات، غير أن المشكلة تتعلق بتأخر صرف الحكومة للأموال المستحقة للشركات، وهذا ينعكس سلباً على العمال الذين تتأخر صرف رواتبهم".
وأكد على ضرورة ألا ترهن الشركات صرف رواتب العمال بالحصول على الدفعات المالية المطلوبة من الحكومة، مبيناً أن هناك شركات تلتزم بهذا الأمر وأخرى مخالفة.
وكشف نقيب العمال، عن أن هناك شركات تقوم بتشغيل العامل لدورتين متتاليتين (12- 14 ساعة يومياً) غير أن العمال يرفضون تقديم شكوى بحق مشغليهم، مبيناً أن هذا الأمر يقيد يد النقابة والجهات الفاعلة في دعم حقوق عمال شركات النظافة "العامل يشتكي شرط عدم ذكر أسمه، وفي هذه الحالة هو لا ينصف نفسه" كما قال.
أمام هذه الجملة من الشكاوى التي وجهها نقيب العمال، طرقنا أبواب أربع شركات مشغلة لعمال النظافة داخل المشافي والمراكز الصحية الحكومية، غير أنها امتنعت عن الإدلاء بأي تصريحات تخص ظروف العمال وشكاواهم، بذريعة التخوف من الوقوع في مشاكل مع الحكومة. بالإضافة إلى ذلك قمنا بالتواصل مع الناطق باسم شركات النظافة، وهو أيضا رفض إجراء مقابلة صحفية بناء على طلب الشركة التي يعمل معها.
بيد أن نبيل عقلين الناطق باسم عمال النظافة في مشافي قطاع غزة، قال إنه يعمل مشرف إداري في شركة النظافة منذ 14 عامًا، وقد خدم في جميع المشافي، وكان راتبه يزيد مئة شيكل (30 دولار) عن غيره من عمال النظافة وهي علاوة الإشراف؛ لكن في الوقت الحالي أصبح الجميع يتقاضون نفس الراتب.
وحول ما قصده عقلين بـ "الوقت الحالي" هو ظروف عمال النظافة بعد المناقصة التي جرت في تاريخ 1/مارس/ 2023، وبناءً عليه يُفترض أن تمنح الشركة العمال رواتب من ميزانيتها الخاصة لمدّة ثلاثة شهور، ثم تقوم وزارة المالية بدفع الرواتب بعد مرور تلك الفترة، يقول عقلين: "بالفعل التزمت الشركات بهذا الأمر ودفعوا الأجور وبعد مرور الأشهر الثلاث، أخلت وزارة المالية بالدفع ولم تصرف حتى الآن راتب شهر يوليو".
وأشار إلى أن نقابة العمال على اطلاع مباشر على ظروف العمال وتقدم لهم توجيهات وإرشادات توعوية. وأفاد أن العمال يطالبون برفع الأجور بما يواءم الحدّ الأدنى للأجور الذي أقره مجلس الوزراء الفلسطيني، مبينا أن جميع العمال يعانون أوضاعا اقتصادية مزرية، وهو ما أثر بشكلٍ كبير على نفسية العامل التي باتت منكسرة.