لم تتمكن المسنة الفلسطينية المريضة آمال أيوب، من الحصول على تحويلة علاجية تمكنها من مغادرة قطاع غزة الذي يرزح تحت الحرب للشهر التاسع على التوالي، لأجل تلقي العلاج بعد تعطل النظام الصحي بشكل شبه كامل، الأمر الذي فاقم حالتها الصحية على نحو خطير.

وبسبب انعدام الرعاية الصحية وعدم توفر العلاج وحرمان السيدة أيوب (٦٧ عاماً) من السفر، حيث كانت مصابة بسرطان الكبد والقولون، فقد استسلمت للموت بلا حولا ولا قوة منها على المواجهة.   

تقول ابنتها دينا (٣٥ عاماً) اكتُشفت إصابة والدتي التي كانت تعيش في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، بالمرض قبل اندلاع الحرب بشهر واحد، وتوجهت إلــى مستشــفى الشــفاء، حيث مكثــت فــيه ما يزيد عن عشرين يوماً، وعلى أثر تردي حالتها الصحية جرى نقلها إلى مستشـفى الصداقـة التركـي – الفلسـطيني. حيث كان أول موعـد للبدء فـي تلقي العلاج داخل المشفى قبل الحرب بيوم واحد.

فيما أن اندلاع الحرب في السابع من أكتوبـر حرمها البدء في الحصول على العـلاج اللازم، الأمر الذي دفع الأسرة إلى إعادتها إلى مشفى الشفاء، وبعد وقت طالب الكادر الطبي اصطحابها إلى جنـوب غـزة لعـدم توفـر العلاج داخل المشفى الذي كان يفيض بأعداد الشهداء والجرحى والمصابين.

على ضوء هذا التنقل بدأت السيدة "أيوب" تشعر بالإعيــاء والتعــب الشــديد، وأصبحــت لا تقــوى علــى الحركــة والجلــوس، وتردت حالتها الصحية، إلى أن تمكنت من الحصول على تحويلة للعلاج فـي دولـة الإمـارات العربيـة المتحـدة، لكن طول الانتظار لأجل السماح لها بالسفر والمغادرة عبر معبر رفح، قد أدى إلى وفاتها.

تقول   دينا: "لا أسـتطيع أن أصـف مـدى صعوبـة تعبهـا ومـا كان يحصـل مـع والدتـي مـن مضاعفـات بسـبب المـرض وأثنـاء انتظـار العـلاج والســفر للعــلاج والتي تأخرت كثيراً، وصولا إلى مرحلة دخولها في غيبوبة استمرت ثلاثة أيام ثم فارقت الحياة".

خطر الموت:

يواجه المرضى عموما في قطاع غزة ومريضــات الســرطان على وجه الخصوص، خطــر المــوت بشــكل مســتمر جــراء انتهــاك حقهــن في الصحة وتلقي العلاج وكذلك فــي الحيــاة؛ فقـد أسـفرت الإجـراءات الناتجة عن الحرب لاسيما انعدام المنظومة الصحية، في وفـاة بعـضهن فيمـا جعلـت البقيـة يواجهن خطر الموت بسبب تدهور وضعهن الصحي.

وداهمت قــوات الاحتــلال الإســرائيلي منــذ الســابع مــن تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مستشــفيات قطاع غزة كافة ودمرت المنظومــة الصحيــة فــي القطاع، وعلــى إثــره توقــف ٣٣ مستشــفى عــن العمــل مــن أصــل ٣٥ وإخــراج ٥٥ مركــزاً صحيــا عــن الخدمــة واســتهداف ١٦٠ مؤسســة صحيــة، وكان مــن بينهــم خــروج المستشــفى الوحيــد المخصــص لمرضــى الســرطان، مستشــفى الصداقــة التركي-الفلســطيني عــن العمــل، ممــا ضاعــف الوضــع ســوءاً وجعــل مريضــات الســرطان فــي خطر متزايد لمواجهة الموت.

وحتى الشهر السادس للحرب، فإن التقديرات الطبية المحلية كانت تشير إلى إصابة ما يقرب ألف حالة بالسرطان ذكوراً وإناث، لم يجر بعد اكتشــافها أو تشــخيصها، وذلــك لعــدم توفــر الإمكانات أو القــدرة علــى التشــخيص. إضافــة إلــى أن هنــاك شــح غيــر مسـبوق فـي العلاجـات والأدويـة المتوفـرة لمريضـات السـرطان على وجه الخصوص، لاسـيما مسـكنات الآلام التـي انعـدم وجوهـا خـلال شـهري ينايـر وفبراير من هذا العام.  

أمـا بخصـوص الطاقـم الطبـي، فمـن المفتـرض- بحسب مصدر في وزارة الصحة بغزة- أن يكـون هنـاك خمسـون طبيبـا لـلأورام فـي قطـاع غـزة، ولكـن المتواجـد حاليــا عشــرة أطبــاء فقــط، خمســة منهــم علــى رأس عملهــم، وقــد استشــهد اثنيــن مــن استشــاري الأورام المتخصصيــن فــي التشخيص والأنسجة، مما يشكل عبء كبير على مجال تشخيص الأورام.

المريضة فريال شقفة (61 عاماً) من سكان جنوب قطاع غزة، قالت إنها اضطرت لاستئصال ثديها الايسر نتيجة المرض، فيما تعاني أيضاً من ســرطان فــي عظــم الفخــذ، وبســبب الحــرب وعــدم توفــر العــلاج تردت حالتها الصحية إذ تشعر بخدر في يدها وتعاني صعوبة في الحركة وتشعر بأن المرض يسري في جسدها وكلتا قدميها، إلى الحد الذي أقعدها عن ممارسة أعمالها المنزلية.

وأوضحت شقفة وهي أرملة، أنها تتعرض بين حين وآخر لنوبــات اغمــاء، وذلك نتيجة عدم حصولها على العلاج اللازم، وقالت: "هناك علاج اتلقــاه وهــو عبــارة عــن حقن وريدية وأدويــة أخرى للتخفيــف مــن آثــار المــرض، ولكــن عيـادة الأونروا التـي اتلقـى علاجـي فيهـا لا يوجـد لديهـا الحقنـة التـي يجـب ان اتلقاهـا في الوريـد، والمتوفـر حاليـا بدائل غير مجدية من حقن وبخاخات، وبســبب انعــدام النظافــة ودخــان الطبــخ والنــار التــي يشــعلها النازحــون لتســخين الميــاه، والطبــخ، والخبــز فــي محيــط المدرســة التي نزحنا إليها، كل ذلك تســبب فــي اختناقـي، وأدى بي لحـالات تشـنج".

وأضافت "أحتاج بشكل ماس حقنة وريدية، خصوصا في اليوم الذي استنشق فيه انبعاثات الحطب، عـدا عـن رائحـة المياه العادمة"، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى مياه نقية للشرب وأخرى نظيفة للاستحمام، غير أن المتاح الآن لا يرقى للاستخدام الأدمي ويزيد من تفاقم وضعها الصحي.

وقف الخدمة قسراً

من جهته، قال الطبيب محمد أبو ندى، المدير الطبي لمستشفى الصداقة التركي الخاص بمرضى السرطان، إن طاقم المستشـفى أصر علـى تقديـم الخدمـات منذ بداية الحرب حتى آخـر لحظـة وهي لحظة استهداف المشفى بشكل مباشر.

وأكد أبو ندى أنـه فـي صبـاح الأول من نوفمبـر اسـتهدفت قـوات الاحتـلال الإسـرائيلي المستشـفى للمـرة الثانيـة وتحديـداً الطابـق الثالـث مـن مبنـى التنويـم، وانقطعـت الكهربـاء، مـع عـدم وجود مياه، أو بنية تحتية مما جعل متابعة المرضى في منتهى الصعوبة والخطر.

وأوضح أن الطاقم الطبي انتقـل بعدهـا جزئيـا إلـى مستشـفى شـهداء الاقصـى فـي ديـر البلـح والجـزء الآخـر إلـى مستشـفى دار السـلام في خانيونـس. وبعـد ذلـك انتقـل مـرة أخـرى إلـى مجمـع ناصـر الطبـي فـي خانيونـس، وعنـد اجتيـاح الجيـش الإسـرائيلي لهـذه المدينــة بــراً ً انتقــل إلــى مستشــفى أبــو يوســف النجــار فــي رفــح، إلى ما قبل إعلان عملية عسكرية على المدينة في مايو الماضي.

وأوضح أن توقـف العمـل فـي مستشـفى الصداقـة، شكل كارثـة بالنسبة بمرضـى السـرطان عموما، فقـد انقطعـوا عـن الأدويـة الكيماويـة والهرمونية، ولا يتم عمل متابعات دورية لهم، وهذا أمر غاية في الخطورة على حياتهم. 

منـذ إعلان الحرب على غزة، أغلقـت السـلطات الإسـرائيلية حاجـز (بيـت حانون/إيـرز) أمـام خـروج الفلسـطينيين بمـن فيهـم المرضـى فـي قطـاع غـزة. وذلـك بعـد أن كانـت بعـض مريضـات الســرطان تتلقــى الرعايــة الصحيــة فــي مستشــفيات الضفــة الغربيــة وإســرائيل والأردن ممــن لا يتوفــر لهــن العــلاج فــي مستشـفى الصداقـة التركـي - الفلسـطيني. لقـد توقـف ذلـك بالمطلـق فـي أعقـاب شـن الحرب علـى القطـاع، إذ تسـببت فـي حرمـان مئـات المريضـات الذيـن يعانـون مـن السـرطان من الحق في العلاج، وفرضت إسـرائيل حصـاراً أكبـر وأضيـق وأكثـر شـمولا وصولاً إلى احتلال معبر رفح البري جنوب قطاع غزة وهو منفذ غزة الوحيد على العالم، ولم تعد تحتمــل أوضاع مريضات السرطان الصحيــة أي تأخيــر فــي الســفر لتلقــي العــلاج فــي الخــارج، أو اســتكمال البروتوكــولات العلاجيــة التــي بدأنها في فترات سابقة.

ماذا يقول القانون الدولي؟ 

كل ذلك يتعارض، مجموعة كبيرة من القوانين والاتفاقيات الدولية التي منحت المرضى الحق في تلقي العلاج حتى في أوقات النزاع. نستعرض بعضها على سبيل المثال لا الحصر: تنص المـادة (١٨) مـن اتفاقيـة جنيـف الرابعـة :١٩٤٩ بأنه "لا يجـوز بـأي حـال الهجـوم علـى المستشـفيات المدنيـة المنظمـة لتقديـم الرعايـة للجرحـى والمرضـى والعجزة والنسـاء النفاس، وعلى أطراف النزاع احترامها وحمايتها في جميع الأوقات".

كما نـص المـادة (٥٧) من اتفاقية جنيف "لا يجـوز لدولـة الاحتـلال أن تسـتولي علـى المستشـفيات المدنيـة إلا بصفـة مؤقتـة وفـي حـالات الضـرورة العاجلـة للعناية بالجرحـى والمرضـى والعسـكريين، وشـريطة أن تتخـذ التدابيـر المناسـبة وفـي الوقـت الملائـم لرعايـة وعـلاج الأشـخاص الذيـن يعالجـون فيهـا وتدبيـر احتياجـات السـكان المدنيين".

فيما جاء نـص المـادة (٥٦) مـن الاتفاقيـة ذاتها، أنه مـن واجـب دولـة الاحتـلال أن تعمـل، بأقصـى مـا تسـمح بـه وسـائلها، وبمعاونـة السـلطات الوطنيـة والمحليـة، علـى التدابير الوقائية اللازمة لمكافحة انتشار الأمراض المعدية والأوبئة. ويسمح لجميع أفراد الخدمات الطبية بكل فئاتهم بأداء مهامهم". صيانـة المنشـآت والخدمـات الطبيـة والمستشـفيات وكذلـك الصحـة العامـة والشـروط الصحيـة فـي الأراضـي المحتلـة، وذلـك بوجـه خـاص عـن طريـق اعتمـاد وتطبيـق نـص المـادة (٥٥) مـن اتفاقيـة جنيـف الرابعـة، "لا يجـوز لدولـة الاحتـلال أن تسـتولي علـى أغذيـة أو إمـدادات أو مهمـات طبيـة ممـا هـو موجـود فـي الأراضـي المحتلـة إلا لحاجـة قـوات الاحتـلال وأفـراد الإدارة، وعليهـا أن تراعـي احتياجـات السـكان المدنييـن. ومـع مراعـاة أحـكام الاتفاقيـات الدوليـة الأخـرى، تتخـذ دولـة الاحتـلال الإجـراءات التـي تكفل سداد قيمة عادلة عن كل ما تستولي عليه".

موت بطيء:

وبعــد فتــرة مــن بــدء الحرب وبفعل المناشدات المستمرة، أعلنــت بعــض الــدول اســتعدادها لاســتقبال مرضــى الســرطان للعــلاج داخــل مستشــفياتها ومنهـم تركيـا ودولـة الإمـارات العربيـة المتحـدة وجمهوريـة مصـر العربيـة، ولكـن لا يـزال المئـات مـن مريضـات السـرطان ممـن يحتجـن تدخـلا ً علاجيـا ً عاجـلا خـارج غـزة يواجهـن المـوت البطـيء، كما قال مصدر في وزارة الصحة الفلسطينية رفض الكشف عن اسمه، إذ أن الأعـداد التـي غـادرت عبـر معبـر رفـح البري كانت محـدودة للغايـة قياسـا إلـى الواقـع الطبـي المنهـار والحاجـة الماسـة لذلـك.

وقال المصدر إن هـذه الأعـداد كانت تقتصـر علـى الموجوديـن فـي جنـوب القطاع، أو مـن نزحـوا قسـراً فـي وقـت سـابق إلـى الجنـوب، أمـا منهـن فـي شـمال غـزة ولا يرغبـن أو يسـتطعن النـزوح فـلم يـدرج أســماءهن فــي قائمــة انتظــار الســفر لتلقــي العــلاج. إذ لا يوجــد فــي الشــمال طواقــم طبيــة متخصصــة لمتابعتهــن فيمــا ينعدم الطريق الآمن لمعبر رفح في حال صدر اسمهن ضمن كشوفات السفر، أما الآن وبعد إغلاق المعبر فجميع المريضات في شقي القطاع يعانين الأمرين.

ويرجــع المصدر قلــة عــدد مريضــات الســرطان اللواتــي غــادرن قطــاع غــزة للعــلاج، إلــى الآليــة المعقــدة والبطيئــة التــي تمــر بهــا عمليـة الموافقـة علـى سـفرهن، حيث شرح الآلية التي تتم بموجبها استصدار التحويلة: بدايـةً يقـوم الطبيـب المختـص أو المستشـفى بترشـيح المريضـات اللواتـي يحتجـن الرعايـة الطبيـة الأكثـر إلحاحاً، إلـى وزارة الصحـة، ومـن ثـم ترسـل هـذه الأسـماء إلـى السـلطات المعنية لإجراء الفحص الأمني. وبمجــرد حصول الموافقة علــى القائمــة النهائيــة، يجري تشـارك هـذه الأسـماء مـع الـدول التـي اسـتعدت لاسـتقبال مرضـى السـرطان، وبعدهـا تنشـر قوائـم بأسـماء المسـموح لهـن عبـر الإنترنـت.

وأكد أن هـذه الآليـة تكشـف عـن أن السـماح لمريضـات السـرطان بالمغـادرة فـي نهايـة المطـاف أمـر متـروك لتقديـر سلطات الاحتلال الإسرائيلية.

المؤلفون

ريهام عبد الرحمن
ريهام عبد الرحمن

كاتب